فماذا عسى أن يصنع الهائم الذي
سرى قلبه شوقا إلى العالم الأعلى ؟!
الحب لا يعترف بالألوان ولا بالأوطان ، والدليل بلال وسلمان ؛ بلال أبيض القلب أسود البشرة ، فصار بالحب مع البررة ، وأبو لهب بالبغض ليس من أهل البيت ، وسلمان نال بالحب جائزة: ( سلمان من أهل البيت ! ) .
دعني من حب مجنون ليلى ، ومحبوب سلمى ، ومعشوق عفرا ، فلطالما لطخت بأشعارهم الطروس ، وضاقت بأخبارهم النفوس ، وخدعت بقصائدهم الأجيال واتبعهم الضلال ، وحدثني عن أنباء الأنبياء ، وهم من أجل حب الرب يهجرونه الأباء والأبناء ؛ فإبراهيم يتبرأ من أبيه ، ونوح من بنيه ، وامرأة فرعون تلغي بنفسها عقد النكاح ؛ لأن البقاء مع الكافر سفاح .
هذا هو عالم الحب بتضحياته ، بأفراحه وأتراحه ، وهو حب يصلك برضوان من رضاه مطلب ، وعفوه مكسب .
والله ما نظرت عيني لغيركم
يا واهب الحب والأشواق والمهج
كل الذين رووا في الحب ملحمة
في آخر الصف أو في أسفل الدرج !
امرؤ القيس يصيح في نجد وقد غلبه الوجد ، ( قفا نبك ) ،
فإذا بكاؤه على الأطلال ، وإذا دموعه تسفح على الرمال ، وإنه هيام العقل بلا وازع ، وحيرة الإنسان بلا رادع ، ورسولنا صلى الله عليه وسلم يذوق الويلات ، ويعيش النكبات ، ثم ينادي مولاه في مناجاة وإخبات ، ويقول:"لك العتبى حتى ترضى"!.
لا تضع عمري بشعر طرفة العبد وهو يشكو الحب والصد ، حب ماذا يا هذا ؟ !. . أما علمت أن أحد الأنصار ، كان يقرأ (قل هو الله أحد ) بتكرار ، فسئل عن المقصود ، قال: لأن فيها مدح المعبود ، وأنا أحب تلك البنود ، فدخل الجنة بالمحبة ، لأن الله احبه ...
دعني أمسح فوق الروض أجفاني
فالنار موقدة من حر أشجاني
نسيت في حبكم أهلي ومنتجعي
فحبكم عن جميع الناس ألهاني !
شغلونا بالروايات الشرقية والمسرحيات الغربية ، ويل هذا الجيل ويله !.. سهر مع غراميات ألف ليلة وليلة ، وفي الذكر المنزل والحديث المبجل قصص الحب الصادقة ، والمعاني الناطقة ، ما يخلب اللب ، ويستميل القلب .
أخرجونا يا قوم من ظلمات عشق الأعراب ، والهيام في الأهداب ، فكل ما فوق التراب تراب ، الذي تطير له الأرواح ، وتهتز له الأشباح ، في ملكوت الخلود ، وعلى بساط رب الوجود .
بكت عيني غداة البين دمعا
وأخرى بالبكا بخلت علينا
فعاقبت التي بالدمع ضنت
بأن أغمضتها يوم التقينا
دع حب هؤلاء فإنهم مرضى ، وتعال إلى الواحد وناد: (عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)