أما تري الشيب في هذا السواد شطا *** ونحن في ليل لهو نركب الغلطا
أراه ينهرني عما ألم به *** كأنما هو سيف بالهلاك سطا؟!
فقال العالم: إن كان صبح الشباب عذرك ، فإن غروب الشيب أنذرك ، فتب إليه واشك الحال عليه، فإذا لقيته يوم الدين ،وقال لك: عبدي ما أغرك بي؟ فقل برك بي .
بكي عمر بن عبد العزيز ثم قال: اللهم إنك قلت: )ُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)، وأنا شيء فلتسعني رحمتك . وخرج أحد العباد يصلي بالناس الاستسقاء وهو شيخ كبير ، فكشف رأسه فإذا هو أبيض كالقطن، وقبض لحيته وبكي وقال:
سبحان من يعفو ونفهو دائمًا *** ولم يزل مهما هفا العبد عفا
يعطي الذي يخطي ولا يمنعه *** جلالة عن العطى لذي الخطا
فنزل الغيث .
براهين الحب
الأبطال يقدمون الرؤوس والنفوس لتلك المعالي والضروس ، فيا عابد الدراهم والفلوس، عش في عبوس، ودم في نكوس.
قال نور الدين محمود: (( اللهم احشرني في حواصل الطير وبطون السباع، فرزق الشهادة. وقال ابن الطرماح: اللهم لا تجعل وفاتي علي سرير في الدار، ولكن اقتلني بسيف الكفار. وقال طلحة يوم أحد: اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضي. وقال عبد الله بن جحش: اللهم إنك تعلم أني أحبك.. وقال إعرابي رب أرسل علي في المعركة سهمًا يقتلني.. وصح في الحديث: (( من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات علي فراشه ) )، وسأل ابن رواحه ربه أن يطعن في سبيله طعنة تصل الكبد !..
يا ليت أنك قد حضرت نزالنا *** ورأيت كيف تقطع الأعناق
كأس المنايا بيننا نحسو به *** حب المهيمن كله ترياق
صارت كأغماد السيوف دورنا *** والرمح في أحشائنا خفاف
متضرجين دمًا فلو أبصرتنا *** أنساك ما قلد أنشد العشاق
طعن الإمام المحدث النابلسي بالخنجر في سبيل الله، فكلما طعن طعنة قال: الله الله الله !، فمات وهو يقول الله الله !.. قال أهل السير نزف دمه، فكتب علي الأرض الله الله الله ، فالله أعلم ، والعهدة علي الرواة:
إذا قتلوا صحت بحق دماهم *** وكانت قديمًا من مناياهم القتل
تدوس الخيول الصافنات رؤوسهم *** غريبون لمال لديهم ولا أهل
تكسرت الأسياف يوم نزالهم *** وفلت رماح الموت وانقطع النبل
تضحية برجال لا بجمال !
وفي عالم التضحية يتقدم عضد الدولة الملك المشهور بذبح ثلاثة ملوك من الكفار في عيد الأضحى المبارك ويهنئه الشاعر فيقول:
صل ياذا العلا لربك وأنحر *** كل ضد وشانئ لك أبتر