بكي داود حتى بكت معه أحبابه، وتفجع حتى رق له أصحابه فنودي:
رجوعك إلينا أحب من إدلالك علينا، دمعة علي مصابك أشرف من ألف ركعة مع إعجابك، فيا أيها التائب لو تدري بمدلول حديث: (( لله أفرح بتوبة عبده ) )لهمت طربًا ، ولتقطعت من الشوق إربًا إرابًا ، ولو علمت بتزين الجنان لقدومك لجعلت أفراح أعيادك مكان همومك ، ولو اطلعت فرأيت مقعدك في الفردوس الأعلى، والملائكة ينادون أهلًا وسهلًا ، والحور يقلن وأغلي وأعلي لذبت سرورًا ولملئت حبورًا ، ولصرت من البهجة مبهورًا ، وفي ظلال الإنس مغمورًا ، أيها التائب أبشر بخير يوم طلعت عليك فيه الشمس ، فأنت ابن اليوم لا غد ولا أمس، طاب ممشاك، وأفلح وجهك، وقرت عينك، وسرت روحك، وعلا قدرك، ورفع ذكرك ، هنئيًا لك بنداء: ) يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا) ، إذا وصلك الخطاب، وعرفت الجواب النبي صلي الله عليه وسلم ورفع لك الحجاب، فسبحان من جبر كسر من زل، ودمل جرح من ضل ، وراش جناح من ذل، اقترفوا ، وعلي الهلاك اشرفوا، فاعترفوا، فبشروا بـ (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا) ، أخطؤوا ،فأسفوا، وندموا علي ما أسلفوا فوعدوا بـ) بَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا) للمعاصي في أول العمر أزلفوا، ثم عادوا إلي باب أرحم الراحمين ووقفوا فسمعوا:
)قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا) .. يتقلب التائب في الليل الداجي يبكي ويناجي فيقال له: ما عليك أطلعنا فسترنا ، وعرفنا فعذرنا ، وعلمنا فحملنا، وقدرنا فغفرنا!.
قال التائب: يا رب أذنبت قال: وأنا غفرت ، قال التائب: ذنوبي تجل عن الإحصاء ، قال الرب: ولو بلغت عنان السماء، قال التائب: يا رب أهلكتني السيئات ، قال التائب: يا رب تسامحنا علي ما فات أما تحاسبنا علي تلك الزلات؟ فقال الرب: بل أبدل السيئات حسنات، قال التائب: لا أكرم منك أحد ، قال الله أنا الصمد!..
جاء مذنب إلي عالم فقال: غرقت في الذنوب، فقال له: الآن أدركتك رحمته علام الغيوب ، وقال أحد السلف: والله لو خيرت أن يحاسبني ربي أو يحاسبني أبى وأمي لاخترت حساب ربي لأنه أرحم الراحمين!.