زلزل عروش الظالمين، ودكَّ قلاع الأكاسرة والقياصرة، وخضعت لعدالته الجبابرة والأباطرة، وهَوَت عناكب الظلم أمام رايات عدله الخفَّاقة وفتوحاته المظفرة، فَأَرْغَم أنوف الروم، وحطم كبرياء الفرس، وأخرج المغضوب عليهم -اليهود- من جزيرة العرب بغدرهم ونقضهم العهود، أخرجهم أذلةً صاغرين، إنَّه الزاهد العالم العابد الغيور الخائف من الله، وكفى أظنكم قد عرفتموه، إنَّه [عمر بن الخطاب] -رضي الله عنه وأرضاه-، ولعنة الله على من أبغضه وعاداه، نور أضاء سطور التاريخ، وغرة في جبين الزمان، أُمَّة في رجل، إمام همام، مميت الفتن، ومحيي السُّنَنَ. عمر الذي لا يجهله أحد، وفي نفس اللحظة قلَّ أن يعرفه أحد في هذا العصر. يعرف بعضهم بعض أخباره، ونتفًا من نسبه وأعماله، أما روح تلك الأخبار فلا يدركها إلا من تأملها من الأخيار، وإني لأرجو الله أن نكون وإياكم من أولئك الأبرار.
مراكبُ أهل الهوى أتخمت *** نزولا ومركبنا صاعدُ
إذا عدد الناس أربابهم *** فنحن لنا ربنا الواحدُ
إلى صور ذات عبر من حياته، وعذرًا لن نفيه حقه في هذه العُجالة
فأعلامُه في كل أرض خوافقُ *** يدين بها شرقٌ ويخضع مغربُ
لكن حسبنا أن نقف عند بعض صور من حياته؛ وقفة عظة وتدبر واقتداء، ولأهل الهوى ردع وزجر، هاهي محطتنا الليلة محطة عُمَريَّة، فهل أنتم نازلون؟ وهذه مائدتنا فهل أنتم إليها مائلون؟ أم أنكم لا ترغبون، معذرة لأصحاب البطون؛ أعني من لأجل رفع مستواهم المعيشي يكدون، ويقلقون في الكلام عن المسكن والسيارة والأثاث والراتب لا يملون، وعلى هامش الحياة بلا رسالة، يعيشون بهائم في مسالخ البشر وهم لا يشعرون، هتافهم دائمًا وأبدًا أين الصُحُون، مائدتنا تعتذرهم ثم تعتذرهم وتقول: إلىَّ إليَّ أيها المتيقظون العاملون المتدبرون، ومن بِسَلَف الأمة يقتدون، ومن عن التُرَّهات يترفَّعون، أنتم جميعًا مدعوون، وأنتم إن شاء الله رابحون. (قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مما يَجْمَعُونَ)
يا ربُ أنت العليم بظاهري وبباطني *** بالسر بل أخفى وبالإعلانِ