ومن شروط الكمال أن يكون ذا أناة وتؤدة متوخيًا الوسطية بصيرًا بالمصالح وعارفًا بالواقع متطلعًا إلى الكليات ومطلعًا على الجزئيات موازنًا بين المقاصد والوسائل والنصوص الخاصة، ذلك هو الفقيه المستبصر.
وأن على الجهات المختصة أن تردع ويمنع غير الأهل من الفتوى، وأن ضمان المفتي قد يكون وجيهًا، إذا أصر على الفتوى، وألحق الأذى بالناس، وكان لا يرجع إلى نص صريح بفهم صحيح، أو إجماع، أو قياس عار عن المعارضة، أو دليل راجح وليس مرجوحًا في حالة التعارض كما أشار إليه الأصوليون قال في مراقي السعود:
تَقْويةُ الشَِّق هِيَ التَّرْجيحُ *** وَأوْجَبَ الأَخْذَ بِهِ الصَّحيحُ
وإذا عمل بالمرجوح فلا بد من توفر شروط العمل من مصلحة تبتغى أو مفسدة تنفى.
فهل عرض مفتوا الشاشات -وما أبرئ نفسي-أنفسهم على هذه والآداب؟
معنى"الصناعة"
قد يكون من المناسب في بداية هذه الحلقات أن نتحدث عن معنى"الصناعة"التي وردت في عنوانها حيث إن مفهوم الصناعة ليس متداولًا في مجال الفتوى وميدان إصدار الأحكام الشرعية ولهذا فقد استشكل بعض زملائنا هذا العنوان موعزًا بتغييره إلى مصطلح يناسب الفتوى ويلائم البحوث الشرعية ولكن الأمر مختلف -حسب رأينا- فالفتوى صناعة لأن الصناعة عبارة عن تركيب وعمل يحتاج إلى دراية وتعمل فهي ليست فعلا ساذجًا ولا شكلًا بسيطًا بل هي من نوع القضايا المركبة التي تقترن بمقدمات كبرى وصغرى للوصول إلى نتيجة هي الفتوى إذًا فالفتوى منتج صناعي ناتج عن عناصر عدة منها الدليل ومنها الواقع والعلاقة بين الدليل بأطيافه المختلفة التي تدور حول النص وبين الواقع بتعقيداته.
قال السبكي في الإبهاج: وقد يطلق العلم باصطلاح ثالث على الصناعة كما تقول:علم النحو أي صناعته، فيندرج فيه الظنُّ واليقين، وكل ما يتعلق بنظر في المعقولات لتحصيل مطلوبٍ يُسمى علمًا ويُسمى صناعة.