والمراد من هذا أن الفتاوى التي تصدر عن فقهاء هذا الزمن على أصحابها أن يصنّفوها في إحدى الطبقات حتى يلتزموا بالضوابط الشرعية لكل طبقة ، فعندما يقيس المفتي عليه أن يلتزم بشروط القياس ، وعندما يقلّد قولًا عليه أن يقلّد القول الصحيح ، وعندما يقلّد الضعيف عليه أن يبيّن سبب ذلك.
إن فتاوى أهل زماننا بحاجة إلى التأصيل على ضوء أصول فتاوى الأولين انطلاقًا من مجموع الضوابط والشروط التي وضعها العلماء سواء في العصور الأولى لازدهار الاجتهاد ، أو تلك التي وصلوا إليها للضرورة والحاجة عندما أجازوا قضاء المقلّد وفتواه ، بشرط أن يحكم بالراجح والمشهور وما عليه العمل بشروط أو ما به الفتوى الذي يوازي عند غير المالكية العمل عند المالكية.
كما تسوغ الفتوى بالضعيف للضرورة التي ليست ضرورة بالمعنى الفقهي ،التي هي الأمر الذي إذا لم يرتكبه المضطر هلك أو قارب الهلاك ، فهذه تبيح المحرّم ولا يحتاج إلى قول لتستند عليه. لكنها الضرورة التي تعنى الحاجة وهو تعبير مستفيض في كلام الفقهاء سنشرحه لاحقًا.
وأخيرًا: الفتوى الجماعية
إنه من حسنات هذه الأمة المحمدية المحروسة المرحومة المعصومة إنها كما وصفها نبينا - صلى الله عليه وسلم- في بعض الأحاديث:"مثل أمتي مثل المطر لا يُدرى أوله خير أم آخره".
رواه أحمد والترمذي عن أنس وأحمد عن عمار وأبو يعلي عن عليّ والطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهم أجمعين.
وهكذا بدأ العصر الأول بالفتوى الجماعية وأشرنا إليها في حديثنا عن دليل الإجماع في عهد أبي بكر عليه رضوان الله حيث كان يجمع رؤوس الناس وخيارهم ويستشيرهم فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به كما في حديث الدارمي.
وكذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وكذلك عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان يستشير عشرة من فقهاء المدينة وبعض الناس يسمى ذلك بالاجتهاد الجماعي وليس الأمر كذلك.