قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ } إلَى قوله تعالى { فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } . فَهَذِهِ أَوَّلُ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ فِيهَا ذِكْرُ الْمُنَافِقِينَ , وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَرَفَهُمْ , وَلَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُمْ , فَلَا مُتَعَلَّقَ فِيهَا لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ } إلَى قوله تعالى: { إنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ مُمْكِنٌ أَنْ يَكُونُوا مَعْرُوفِينَ , لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَنَا أَنَّهُمْ مِنْ غَيْرِنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى { مِنْ دُونِكُمْ } فَإِذْ هُمْ مِنْ غَيْرِنَا فَمُمْكِنٌ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْيَهُودِ مَكْشُوفِينَ . وَمُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ قوله تعالى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ { قَالُوا: آمَنَّا } أَيْ بِمَا عِنْدَهُمْ . وَقَدْ يُمْكِنُ أَيْضًا: أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُنَافِقِينَ الْمُظْهِرِينَ لِلْإِسْلَامِ . وَمُمْكِنُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا أَنْ لَا نَتَّخِذَهُمْ بِطَانَةً إذَا أَطْلَعَنَا مِنْهُمْ عَلَى هَذَا , وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَأَقْوَى لِظَاهِرِ الْآيَةِ . وَإِذْ كِلْتَاهُمَا مُمْكِنٌ فَلَا مُتَعَلَّقَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِمَنْ ذَهَبَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ بِأَعْيَانِهِمْ , وَيَدْرِي أَنَّ بَاطِنَهُمْ النِّفَاقُ .