وعندئذ تصان الطاقة الفكرية المحدودة المجال عن التبدد والتمزق والانشغال بما لم تخلق له , وما لم توهب القدرة للإحاطة به , وما لا يجدي شيئا أن تنفق فيه . إن الطاقة الفكرية التي وهبها الإنسان , وهبها ليقوم بالخلافة في هذه الأرض , فهي موكلة بهذه الحياة الواقعة القريبة , تنظر فيها , وتتعمقها وتتقصاها , وتعمل وتنتج , وتنمي هذه الحياة وتجملها , على أن يكون لها سند من تلك الطاقة الروحية التي تتصل مباشرة بالوجود كله وخالق الوجود , وعلى أن تدع للمجهول حصته في الغيب الذي لا تحيط به العقول . فأما محاولة إدراك ما وراء الواقع بالعقل المحدود الطاقة بحدود هذه الأرض والحياة عليها , دون سند من الروح الملهم والبصيرة المفتوحة , وترك حصة للغيب لا ترتادها العقول . . فأما هذه المحاولة فهي محاولة فاشلة أولا , ومحاولة عابثة أخيرا . فاشلة لأنها تستخدم أداة لم تخلق لرصد هذا المجال . وعابثه لأنها تبدد طاقة العقل التي لم تخلق لمثل هذا المجال . . ومتى سلم العقل البشري بالبديهية العقلية الأولى , وهي أن المحدود لا يدرك المطلق , لزمه - احتراما لمنطقه ذاته - أن يسلم بأن إدراكه للمطلق مستحيل ; وإن عدم إدراكه للمجهول لا ينفي وجوده في ضمير الغيب المكنون ; وأن عليه أن يكل الغيب إلى طاقة أخرى غير طاقة العقل ; وأن يتلقى العلم في شأنه من العليم الخبير الذي يحيط بالظاهر والباطن , والغيب والشهادة . . وهذا الاحترام لمنطق العقل في هذا الشأن هو الذي يتحلى به المؤمنون , وهو الصفة الأولى من صفات المتقين .