ويعمل عقل الأمة في مجال من الثنائية القطبية: الأنا والآخر الذي هو نقيضه وشرط وجوده. وتشتد حدة هذه الثنائية في اقتران بشروط التطور لتصل إلى درجة الصراع والتطاحن أحيانًا وتكون إما أنا أو الآخر. ويتباين خطابه إلى الآخر وفقًا لحالة النشاط والفعالية الذاتية أو حالة الركود والجمود. إذ في الحالة الأولى يكون خطابه إلى الآخر تجسيدًا لطموحه ولصورة وجوده المبتغاة وقيمه المدعاة. ويسوق الخطاب عادة بلغة التعميم دون الكشف عن مكنون المصالح. يعرض نفسه دائمًا في صورة صاحب رسالة خالدة أو مجتمع عظيم أو عالم جديد أو أخوة إنسانية إلخ يبشر وينذر دون أن يفصح. ويكون على الآخر أن يجري تحليلًا وتفكيكًا للخطاب لفهم المضمون وكشف المستور.
وحين يفقد المجتمع خاصية جدل الفكر والفعل والتغذية المرتدة بينهما، وهى خاصية رهن الفعالية النشطة الإنتاجية الإبداعية للمجتمع يصاب عقل الأمة بحالة جمود تفضي إلى نكوص، غلبة الأسطورة، أو قل يلوذ بالأسطورة إرثًا وتراثًا ماضيًا مقطوع الصلة بالواقع الحى. وهاهنا يغدو بنية أو إطارًا مغلقًا يفقد ديناميته وتاريخيته، ويصبح عقلا إطلاقيًا لا تاريخيًا محافظًا أو جامدًا. ويكون في مجال الثنائية القطبية، أي في تفاعله أو علاقته مع الآخر عقلا منفعلا سالبًا ومنكفئًا على ذاته في آن واحد. وهذه إحدى نذر أو سمات الإنهيار الحضاري للمجتمعات.