بل إن الذي يحول المسألة الاجتهادية التي يسوغ فيها الخلاف، إلى مسألة لا يسوغ فيها الخلاف، ثم يوالي ويعادي عليها، فإنه يعد بذلك من أهل الافتراق والتحزب المذموم، قال ابن تيمية: (ولهذا وقع في مثل هذا كثير من سلف الأمة وأئمتها، لهم مقالات قالوها باجتهاد وهي تخالف ما ثبت في الكتاب والسنة؛ بخلاف من وإلى موافقه، وعادى مخالفه، وفرق بين جماعة المسلمين، وكفر وفسق مخالفه، دون موافقه، في مسائل الآراء والاجتهادات، واستحل قتال مخالفه دون موافقه، فهؤلاء من أهل التفرق والاختلافات) .ا.هـ من الفتاوى (3/348) .
وقال: (وأما من بلغ به الحال إلى الاختلاف والتفرق، حتى يوالي ويعادي ويقاتل على مثل هذا ونحوه مما سوغه الله تعالى كما يفعله بعض أهل المشرق فهؤلاء من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا) .ا.هـ من الفتاوى الكبرى (2/41) .
*ومن الظلم والجور الناتج في الغالب أيضًا عن قلة العلم، أن يُخرَجَ السنيُ من السنة بمسألة لا يسوغ فيه الخلاف، لكنها مسألة جزئية غير كلية ليست هي من أصول السنة التي يضلل بها المخالف، وليست هي من شعار أهل البدع، ولم يفرق الأمة بسببها، فيوالي عليها ويعادي، قال ابن تيمية: (وكان القاضي شريح ينكر قراءة من قرأ:"بل عجبتُ"ويقول إن الله لا يعجب، فبلغ ذلك إبراهيمَ النخعي فقال: إنما شريح شاعرٌ يعجبه علمه، كان عبدالله أفقهَ منه، وكان يقول:"بل عجبتُ"، فهذا قد أنكر قراءة ثابتة وأنكر صفة دل عليها الكتاب والسنة، واتفقت الأمة على أنه إمام من الأئمة، وكذلك بعض السلف أنكر بعض حروف القرآن مثل إنكار بعضهم قوله:"أفلم ييأس الذين آمنوا"وقال إنما هي أو لم يتبين الذين آمنوا وإنكار الآخر قراءة قوله تعالى:"وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه"، وقال إنما هي ووصى ربك، وبعضهم كان حذف المعوذتين وآخرُ يكتب سورة القنوت وهذا خطأ معلوم بالإجماع والنقل المتواتر) .ا.هـ من الفتاوى (12/492) .