فما كان يقال عنها حضارات في ذلك الوقت, لا تعدو عن امبراطريات مسيطرة على بعض مناطق العالم, ولم يكن لها من أطماع سوى بث نفوذها العسكري على الأرض؛ وليس تحريرها بدين صحيح, وسياستها بنظام عادل.
وفرق بين دولة تهدف إلى مصالحها المادية فحسب, وأخرى ترمي إلى حفظ مصالح رعيتها المادية والمعنوية.
فالناس تحت تلك القيادات بين سادة وعبيد، أو حكام ومحكومين، فالسادة كان لهم كل الغُنْم، والعبيد عليهم كل الغُرْم، وبعبارة أوضح: إن الرعايا كانت بمثابة مزرعة تورد المحصولات إلى الحكومات، والحكومات كانت تستخدمها في ملذاتها وشهواتها، وجورها، وعدوانها .
والناس كانوا يذوقون من الذل والهوان ألوانا, وفي ظلمة الجهل يتخبطون عميانا، والظلم ينصب عليهم من كل جانب، وما في استطاعتهم التذمر والشكوى، بل كانوا يسامون الخسف والجور والعذاب ضروبا ساكتين، فقد كان الحكم استبداديا، والحقوق ضائعة مهدورة , وليس هناك رحمة للرعية, ولا حكم بالسوية, أو عدل في القضية.
وأما الأديان فقد أخبرناك سالفا عن حقيقة أمرها, وأنها بجميعها كانت تقصر عن تأدية هذا الدور, لأنها ليست له, ولما داخلها من تزييف و تحريف كثيرَين.
فكان لا بد للعالم من نظام جديد؛ يخرجه من هذا التدهور, ويقذفه نحو التطور, وذلك في جميع المجالات.
وكان طبيعة العلاج تقتضي أن يكون نظاما مزدوجا, يرسو على أساسين أصيلين, هما قوام أمور الناس في الدنيا والآخرة: الدين الصحيح, والنظام العادل.
وأن يكون كل واحد منهما أصيلا؛ لا أن يكون أحدهما أصيلا والآخر أجنبيا مستعارا لظروف طارئة, أو أغراض جانفة.