فأمر بالقبض على ابن نسطورس، وكتب إلى الشام بالقبض على منشأ وغيره من الموظفين اليهود، وأمر برد الدواوين والأعمال إلى الكتاب المسلمين ، وعيَّن القضاة للإشراف على أعمالهم في جميع أنحاء الدولة، لكن الأمير ست الملك ابنة الخليفة شفعت لابن نسطورس فردّ العزيز الوزارة إليه ثانية،وشرط عليه استخدام المسلمين في الحكومة .
ولقد تقلد أهل الكتاب أرقى المناصب وأعلاها في عهد العزيز (365-376) ، وشغلوا في عهد المستنصر (427-487) ، ومن جاء بعده من الخلفاء ، معظم المناصب المالية في الدولة ، بل تقلَّدُوا الوزارة أيضًا .
ولم تقتصر هذه المعاملة على ما تقدم، فقد ولع بعض الخلفاء العبيديين: كالحافظ مثلًا (524-544هـ) بزيارة أديرة (1) النصارى، وكان الآمر ( 495- 524هـ ) يعطي الرهبان (2) في بعض الأديرة عشرة آلف درهم كلما خرج للصيد ، بل قد ازدادت موارد الكنائس (3) المصرية زيادة عظيمة في عهد العبيديين (4) .
فقد كان العبيديون يعاملون النصارى معاملة تنطوي على العطف والرعاية والمحاباة، فإذا كان هذا موقفهم من اليهود والنصارى فما موقفهم من أهل السنة ؟!
(1) - أديرة: جمع دير ، وهوخان النصارى ، وبيت يتعبد فيه الرهبان ، ويكون في الصحاري ورؤوس الجبال ، وإذا كان داخل المصر فهو كنيسة أو بيعة . يراجع: لسان العرب (4/300، 301) مادة ( دير ) ، ومعجم البلدان (2/495) .
(2) - الراهب: المتعبد في الصومعة ، وأحد رهبان النصارى ، وكانوا يترهبون بالتخلي عن أشغال الدنيا ، وترك ملاذها ، والزهد فيها .يراجع:لسان العرب (4/437، 438) .
(3) - الكنائس: جمع كنيسة ، والكنيسة متعبد اليهود أو النصارى أو الكفار . يراجع: القاموس المحيط (2/256) باب السين فصل الكاف .
(4) - يراجع: تاريخ الدولة الفاطمية ص (202-216) .