الصفحة 28 من 678

و روي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من سَبَّ أصحابي، فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمَعين. لا يَقبَلِ الله مِنهُ صَرْفًا و لا عَدْلا» [21] . و قال كذلك: «إذا ذُكِرَ أصحابي فأمْسِكو، و إذا ذُكِرَ النجوم فأمسكو، و إذا ذُكِرَ القَدَرُ فأمسكو» [22] . و لذلك فمن منهج أهل السنة و الجماعة الإمساك عن ذكر هفوات الصحابة و تتبع زلاتهم و عدم الخوض فيما شجر بينهم. و نحن لم نُؤمر بما سبق و إنما أُمرنا بالاستغفار لهم و محبّتهم و نشر محاسنهم و فضائلهم، و إذا ظهر مبتدع يقدح فيهم بالباطل فلا بدَّ من الذبِّ عنهم، و ذكرِ ما يبطل حجته بعلم و عدل [23] .

و إذا دعت الحاجة إلى ذكر ما شجر بينهم، فلا بدّ من التحقيق و التثبّت في الروايات المذكورة حول الفتن بين الصحابة. قال الله عزّ و جلّ: { يا ايها الذين امنو إن جاءكم فاسق بنبئأ فتبينو أن تصيبو قوما بجهالة فتصبحو على ما فعلتم نادمين } . و هذه الآية تأمر المؤمنين بالتثبت في الأخبار المنقولة إليهم عن طريق الفسّاق، لكيلا يحكمو بموجبها على الناس فيندمو. فوجوب التثبت و التحقيق فيما نقل عن الصحابة، و هم سادة المؤمنين أولى و أحرى، خصوصًا و نحن نعلم أن هذه الروايات دخلها الكذب و التحريف، إمّا من جهة أصل الرواية أو تحريف بالزيادة و النقص يُخرج الرواية مخرج الذّم و الطّعن.

قال شيخ الإسلام: «و كذلك نؤمن بالإمساك عما شَجَرَ بينهم، و نعلم أن بعض المنقول في ذلك كذب، و هُم كانو مجتهدين، إما مصيبين لهم أجران أو مثابين على عملهم الصالح مغفورٌ لهم خطؤهم. و ما كان لهم من السّيئات، و قد سبق لهم من الله الحسنى، فإن الله يغفر لهم إما بتوبةٍ أو بحسناتٍ ماحية أو مصائب مكفّرة. و ما شجر بينهم من خلاف فقد كانو رضي الله عنهم يطلبون فيه الحق و يدافعون فيه عن الحق، فاختلفت فيه اجتهاداتهم، و لكنهم عند الله عز وجل من العدول المرضي عنهم. و من هنا كان منهج أهل السنة والجماعة هو حفظ اللسان عما شَجَرَ بينهم، فلا نقول عنهم إلا خيرًا و نتأوَّل و نحاول أن نجد الأعذار للمخطئ منهم و لا نطعن في نيّاتهم فهي عند الله، و قد أفضو إلى ما قدَّمو، فنترضى عنهم جميعًا و نترحَّم عليهم و نحرص على أن تكون القلوب سليمة تجاههم» [24] .

و أكثر المنقول من المطاعن الصريحة هو من هذا الباب، يرويها الكذّابون المعروفون بالكذب، مثل أبي مخنف لوط بن يحيى الشيعي [25] ، و مثل هشام بن محمد بن السائب الكلبي [26] ، و أمثالهما [27] . و كذلك الضعفاء المتروكين كالواقدي المتروك [28] . من أجل ذلك لا يجوز أن يُدْفَعَ النَّقل المتواتر في محاسن الصحابة و فضائلهم، بنُقولٍ بعضها منقطعٌ و بعضها محرَّف و بعضها يقدح فيما عُلِم. فإنّ اليقين لا يزول بالشك. و نحن تيقنّا ما ثبت في فضائلهم، فلا يقدح في هذا أمور مشكوك فيها، فكيف إذا عُلِمَ بطلانها؟! [29]

و إذا صحّت الرواية في ميزان الجرح و التعديل، و كان ظاهرها القدح، فليلتمس لها أحسن المخارج و المحاذير. قال ابن أبي زيد: «و الإمساك عما شجر بينهم، و أنهم أحقّ الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج، و يظنّ بهم أحسن المذاهب» [30] . و قال ابن دقيق العيد: «و ما نقل عنهم فيما شجر بينهم و اختلفو فيه، فمنه ما هو باطلٌ و كذب، فلا يُلتفت إليه، و ما كان صحيحًا أوَّلناه تأويلًا حسنًا، لأنّ الثناء عليهم من الله سابق، و ما ذكِرَ من الكلام اللاحق محتمل للتأويل، و المشكوك و الموهوم لا يبطل الملحق المعلوم» [31] .

قال العلامة ابن خلدون: «فإيّاك أن تعود نفسك أو لسانك التعرض لأحد منهم، و لا يشوِّش قلبك بالريب في شيء مِمّا وقع منهم. و التمِس لهم مذاهب الحق و طرقه ما استطعت، فهم أولى الناس بذلك. و ما اختلفو إلا عن بيّنة، و ما قاتلو أو قتلو إلا في سبيل جهادٍ أو إظهار حق. و اعلم أن اختلاف الصحابة رحمةٌ لمن بعدهم من الأمة ليقتدي كل واحد بمن يختاره منهم و يجعله إمامه و هاديه و دليله. فافهم ذلك و تبيّن حكمة الله في خلقه و أكوانه» . و كان الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز يقول: و الله ما أود أن أصحاب رسول الله لم يختلفو، لأنه لو لم يختلفو لكان أمرًا واحد و لا يَسَعنا خِلافه. و لكن لَمّا اختلفو تستطيع أن تأخذ برأي هذا أو برأي ذاك أو برأي ذلك، و في كلٍّ سَعة. وقال الإمام ابن تيمية: «اختلافهم رحمة واسعة، و اتفاقهم حجة قاطعة» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت