الصفحة 26 من 678

والخلاصة مرة ثالثة أن الذي تفرد به ذلك الجيل لم يكن هو الخصائص الأساسية للوجود الإسلامي, فهذه مطلوبة من كل جيل, وممكنة في كل جيل, ولازمة لإقامة الوجود الإسلامي الصحيح في الأرض, والناس محاسبون إن قصروا في أدائها, ويعتبرون آثمين في حق الله وحق أنفسهم إن قصروا فيها, ويتوقف وجودهم وثقلهم في الأرض علي القيام بها في صورتها الصحيحة.

إنما الذي تفرد به ذلك الجيل هو الدرجة العجيبة التي قاموا فيها بتحقيق هذه الخصائص في عالم الواقع, بعد قيامهم بتحقيقها في ذوات أنفسهم. وهذه درجة لم يفرضها الله فرضًا علي الناس, إنما فرض عليهم الحد الأدني الذي لا تستقيم الحياة بدونه, وترك الدرجات العلا للتطوع النبيل, الذي تقدر عليه النفوس حين تتربي التربية الصحيحة علي الإسلام, وتستضئ بنور الحق, وتعبد الله كأنها تراه (1) , وتقتدي بالرسول - صلى الله عليه وسلم - كأنها تعايشه.

وحين يتحقق للناس الحد الأدنى من هذا الدين, تستقيم الحياة علي صورة تعجز عنها أي جاهلية من جاهليات التاريخ, وفي مقدمتها الجاهلية المعاصرة.... أما حين يتحقق ما فوق ذلك فهذا هو الفردوس الأرضي الذي تحقق ذات مرة علي يد ذلك الجيل المتفرد, والذي سيظل أملًا جميلًا يحاول المسلمون تحقيقه في أي قرن من القرون!!.

واقعنا المعاصر =العلامة محمد قطب

عقيدة أهل السنة و الجماعة في الصحابة

هذا البحث و إن كان لا يتعلّق بموضوعنا عن العصبية، إلا أنه لا بدّ من ذكره مختصَرًا لأننا سندخل في مسألة النزاع بين الصحابة رضوان الله عليهم.

الذي دفعني للكتابة هو ما سمعته و قرأته من أقوال الجُهَّالِ أصحاب الهوى ممن ينتسبون للعلم و هو منهم براء، أسمَعُهُم يتشدَّقون بأقوالٍ و كلمات ما أنزل الله بها من سلطان في حق الصحابة و ما شجر بينهم، متذرِّعين بشُبُهاتٍ يتشبَّثون بها، و رواياتٍ ضعيفةٍ موضوعةٍ مكذوبة واهية أوهى من خيوط العنكبوت، يتلقفونها و يلتقطونها من كتب الأدب و التاريخ و قصص السَّمر و الكتب المَنْحُولة و الضَّعيفة ككتاب الأغاني و البيان و التبيين و الإمامة و السياسة و نهج البلاغة و غيرها من الكتب، فيطيرون بها في الآفاق كشيطان العقبة.

فإن من العقائد والأصول المقررة في الإسلام حب الصحابة من المهاجرين و الأنصار و الذين اتبعوهم بإحسان، و اعتقاد فضيلتهم و صدقهم و الترحم على صغيرهم و كبيرهم و أولهم و آخرهم، و صيانة أعراضهم و حُرُماتهم. فذلك أمر ضروري، و هو أحد الضروريات الخمس -الدين و النّفْس و النَّسل و العقل و المال- التي جاءت الشريعة بالمحافظة عليها و ضبط حقوقها [1] ، و الأخذ على يد من هتكها [2] ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في مجمع عظيم من أعظم مجامع المسلمين «إن دماءكم و أموالكم و أعراضكم بينكم حرامٌ كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. فليبلغ الشاهد الغائب» [3] .

و قال سيدنا و حبينا رَسُولُ اللَّهِ ( ص) : « لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلانِيَةً لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ. وَ إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى اثِنْتَيْنِ وَ سَبْعِينَ مِلَّةً. وَ تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاثٍ وَ سَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلا مِلَّةً وَاحِدَةً» . قَالُو وَ مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَ أَصْحَابِي» [4] . فجعل الذين يتّبعون الصحابة هم الفرقة الناجية، و هم الجماعة العظمى كما ثبت في الحديث أيضًا [5] .

و لا بُدَّ أن تعلم أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير معصومين عن الخطأ. نعم، نحن نعتقد العصمة في إجماعهم لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة لحديث: «إن الله تعالى قد أجَارَ أمتي من أن تجتمع على ضلالة» [6] . فهم معصومون من أن يجتمعو على ضلالة، و لكن كأفراد هم غير معصومين، فالعصمة لأنبياء الله صلوات الله و سلامه عليهم.

و من أصل أهل السنة و الجماعة سلامة قلوبهم و ألسنتهم لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما وصفهم الله به في قوله تعالى: { و َالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَ لِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَ لا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُو رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [7] . و يقبلون ما جاء به الكتاب و السنة و الإجماع من فضائلهم و مراتبهم.

(1) جاء في حديث هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم: قال: وما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك رواه الشيخان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت