وأتى مصعب بن عمير ، ترك لحافه الوثير ، وفراشه الدافئ ، وذهبه وفضته لأمه المشركة العجوز ، فلما رآه صلى الله عليه وسلم دمعت عيناه ، وقال: (( والذي نفسي بيده لقد رأيت مصعبا من أغنى أهل مكة ) )ثم ترك ذلك كله لله ، ومع ذلك ما كفى مصعبا: أن يترك أمواله ودوره وسكنه ، بل زاد على ذلك بأن قطع جسمه في أحد ، فأتي ببردة لتكون كفنه ، فكانوا إذا غطوا رآه بدت رجلاه ، وإذا غطيت رجلاه بدا رأسه ، فبكى صلى الله عليه وسلم مرة آخر عند هذا الجثمان .
قال سبحانه وتعالى: {يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ( الحشر: من الآية 8 ) .
هذه ميزة للصحابة {وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ، أولئك هم الصادقون .
ثم التفت الخطاب إلى الأنصار {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } (الحشر: من الآية 9) .
قال تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} (الفتح:18) .
قال أهل التفسير: فعلم ما في قلوبهم من الإخلاص .
وقال غيرهم فعلم ما في قلوبهم من الحب لله .
والصحيح: علم ما في قلوبهم من الخير .
يقول بعض الأدباء: كأني بالصحابة ،أي مشاعر عاشوها ؟ يسمعون نداء الله من فوق سبع سماوات يقول لهم {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} ويقول سبحانه: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ } (التوبة: من الآية 100) .
من لي بمثل سيرك المدلل *** تمشي رويدا وتجي في الأول