الصفحة 583 من 838

وكذلك سطا قوم آخرون على تأويل آيات الأمر ، والنهى وقالوا ك فعلنا فيها ، كفعل أولئك في آيات الصفات مع كثرتها ، وتنوعها. وآيات الأحكام لا تبلغ زيادة على خمسمائة آية . قالوا: وما يظن أنه معارض من العقليات لنصوص الصفات ، فعندنا معارض عقلى لنصوص المعاد من جنسه ، وأقوى منه.

-وقالوا متأولو آيات الأحكام على خلاف حقائقها ، وظواهرها ، والذي سوغ لنا هذا التأويل القواعد التى اصطلاحتموها لنا ، وجعلتموها أصلًا نرجع إليه ، فلما طردناها أن الله ما تكلم بشيء قط ، ولا يتكلم ، ولا يأمر ، ولا له صفة تقوم به ، ولا يفعل شيئًا.

-وطرد هذا الأصل لزوم تأويل آيات الأمر والنهى ، والوعد ، والوعيد والثواب ، والعقاب ، وقد ذكرنا في كتاب الصواعق أن تأويل آيات الصفات ، وأخبارها بما يخرجها عن حقائقها هو أصل فساد الدنيا الدين ، وزوال الممالك ، وتسليط أعداء الإسلام عليه إنما كان بسبب التأويل. ويعرف هذا من له اطلاع ، وخبرة بما جرى في العالم .

ولهذا يحرم عقلاء الفلاسفة التأويل مع اعتقادهم بصحته ، لأنه سبب لفساد العالم ، وتعطيل للشرائع. ومن تأمل كيفية ورود آيات الصفات في القرآن والسنة علم قطعًا بطلان تأويلها بما يخرجها عن حقائقها ، فإنها وردت على وجه لا يحتمل التأويل بوجه. فانظر غلي قوله تعالى:

(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ) . هل يحتمل هذا التقسيم والتنويع تأويل إتيان الرب جلل جلاله - بإتيان ملائكته وآياته ؟ وهل يبقي مع هذا السياق شبهة أصلًا في أنه إتيانه بنفسه !

وكذلك قوله تعالى (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) إلي أن قال: ( وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت