ومع هذا تأول كثير من المتأخرين الفوقية في قوله تعالى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ) بأنه تعالى خير من عباده ، وأنه خير من العرش وأفضل منه وهو كما ترى تأويل بعيد تنفر منه العقول الرشيدة وتأباه الفطر السليمة ، فإنه لا تمجيد لله في ذلك ولا تعظيم له ، بل هو تأويل سمج مرذول فإنه يشبه قول القائل الجبل أثقل من الحصى ،ورسول الله أفضل من اليهود والجوهر فوق قشر البصل أو قشر البصل أو قشر السمك ونحو ذلك مما التفاوت فيه عظيم ، ولا شك أن التفاوت بين الله وبين عباده أعظم ، ولو أن هذا المتأول أثبت الفوقية مطلقًا ، فوقية الذات ، وفوقية القهر والغلبة ، وفوقية القدر والمنزلة لكان ذلك صوابًا ، لاتفاقه مع نصوص الكتاب والسنة مع عدم المحذور ، أما أن يخص بتأويله نوعًا منها بلا دليل فذلك باطل . وقد بعبر بالخيرية بين الله وبين بعض خلقه إذا اقتضي المقام ذلك ، كمقام الاحتجاج على من أشرك مع اله غيره ، ودعوته إلي التوحيد ، قال تعالى (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) وقال حكاية لمقالة يوسف عليه السلام لصاحبيه في السجن ، ودعوته إياهما إلي التوحيد (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) .وقد دلت الأدلة العقلية على ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة من أن الله بائن من خلقه وأنه فوق عباده بنفسه ، وبيانه أن وجود الله إما أن يكون ذهنيًا فقط ، وأما أن يكون في خارج الأذهان ، الأول: ممنوع بإجماع . وإذا تعين أن يكون وجوده خارج الأذهان ، فإما أن يكون عين العالم أو صفة قائمة بالعالم وإما ألا يكون عين العالم ولا غيره وإما أن يكون قائمًا بنفسه بائنًا من خلقه ، وكل من الأول والثانى ممنوع فتعين أن يكون الله موجودًا قائمًا بنفسه بائنًا من خلقه.
1.الاستدلال بالفطرة على أن الله فوق عباده ك