قالت: فرجعنا إلى خبائنا وقال لي أبوه: يا حليمة لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به، فاحتملناه فقدمنا به على أمه، فقالت: ما أقدمك به يا ظئر وقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك؟ فقلت: قد بلغ الله بابني وقضيت الذي عليَّ وتخوفت الأحداث عليه فأديته إليك كما تحبين، قالت: ما هذا شأنك فأصدقيني خبرك، قالت: فلم تدعني حتى أخبرتها، قالت: أفتخوفت عليه الشيطان؟ قلت: نعم، قالت: كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل، وإن لابني لشأنًا أفلا أخبرك خبره؟ قلت: بلى، قالت: رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء لي به قصور بُصرى من أرض الشام، ثم حملت به فوالله ما رأيت من حمل قط كان أخف ولا أيسر منه ووقع حين ولدته وإنه لواضع يديه بالأرض رافع رأسه إلى السماء، دعيه عنك وانطلقي راشدة.
كان أول ما شق صدره عليه الصلاة والسلام في السنة الثالثة من عمره، وقيل: في الرابعة وذلك لتطهيره وإخراج حظ الشيطان منه، وشق صدره صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء كما رواه البخاري، ويقول مؤرخو الإفرنج ومنهم الأستاذ نيكولسون في كتابه"تاريخ أدب العرب"صفحة (147 - 148) طبعة 1907 وكذا الأستاذ موير في كتابه"حياة محمد"إن هذه نوبة صرعية، وهذا مردود لأنه لم تُشاهد فيه علامات الصرع طول عمره.
وإلى قصة إرضاعه صلى الله عليه وسلم يشير صاحب الهمزية حيث يقول:
وبدت في رضاعه معجزات *** ليس فيها عن العيون خفاء
إذ أبته ليتمه مرضعات *** قلن ما في اليتيم عنا غناء
فأتته من آل سعد فتاة *** قد أبتها لفقرها الرضعاء
أرضعته لبانها فسقتها *** وبنيها ألبانهن الشاء
أصبحت شوّلًا عجافًا وأمست *** ما بها شائل ولا عجفاء
أخصب العيش عندها بعد محل *** إذ غدا للنبيِّ منها غذاء
يا لها منة لقد ضوعف الأجـ *** ـر عليها من جنسها والجزاء
وإذا سخّر الإله أناسًا *** لسعيد فإنهم سعداء
الحض على قتله صغيرا