ولمَّا كان الكثير من النوازل المعاصرة تبنى أحكامها على أصل الإباحة مع عدم وجود المعارض، و الضابط الثاني من ضوابط المصلحة"عدم تفويت النظام لمصلحة أفضل من المصلحة يحتاط لها"والضابط الثالث"عدم إحداث جلب المصلحة لمفسدة مساوية لها أو أكبر منها"هما من ضوابط اعتبار عدم وجود المعارض بعد ثبوت الأصل وهو الإباحة [1] ، ويلاحظ أن أكثر من تجرأ على الفتوى في الأمور العامة وميَّع تطبيق الشريعة كان بناءً على ما توهم أنه مصلحة معتبرة من جهة أن الأصل الإباحة مع عدم العلم بالمعارض، فوضعوا لأنفسهم قواعد لعدم العلم بالمعارض تفضي إلى انتقائية في استحداث أحكام مبنية على شهوات أو شبهات وليست مبنية على مصالح و ضوابط.
ولا يجوز ترك الاجتهاد أو التقصير في إعمال ضوابط المصلحة لرفع الحرج عن الرعية والتيسير عليهم وبخاصة متى تعلق الأمر باستحداث الأنظمة والتنظيمات؛ لكون ذلك من تصرفات ولي الأمر المنوطة بالمصلحة، والتي يجيء الاحتياط لها سببًا لسنّ الأنظمة والتنظيمات، فلا بد من بذل الوسع، والاجتهاد في جعل الأنظمة مُطلِقة للمصالح مُقيِّدة للمفاسد بما لا يخالف الشريعة، فإن ترك الاجتهاد في موضعه بمنزلة الاجتهاد في غير موضعه للقادر عليه المكلف به يعد إعراضًا وتقصيرًا منه في الاجتهاد عمَّا قام به سبب وجوبه عليه وتعين، بناءً على القاعدة الفقهية"الاشتغال بغير المقصود إعراض عن المقصود" [2] فدون ذلك تتعطل الأحكام وتتهم الشريعة، قال السرخسي (ت438هـ) في القاضي لا يجتهد:"فإن لم يجد فليجتهد رأيه ولا يقولن إني أرى، وإني أخاف، وفيه دليل على أن للقاضي أن يجتهد فيما لا نص فيه، وأنه لا ينبغي أن يدع الاجتهاد في موضعه لخوف الخطأ؛ فإن ترك الاجتهاد في موضعه بمنزلة الاجتهاد في غير موضعه فكما لا ينبغي له أن يشتغل بالاجتهاد مع النص، ينبغي له أن لا يدع الاجتهاد فيما لا نص فيه، ثم بين طريق الحق في ذلك بقوله:"فإن الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبين ذلك أمور مشتبهات فدع ما يريبك إلى مالا يريبك" [3] ، وهذا اللفظ المروي عنه (- صلى الله عليه وسلم - فيه بيان أن المجتهد إذا لم يترك الاحتياط في موضع الريبة فهو"
(1) ويقصد بالإباحة التخيير في المباحات بالإضافة إلى إباحة فعل المأمورات وإباحة ترك المنهيات.
(2) السيوطي، عبدالرحمن بن أبي بكر بن محمد (1303هـ -1983م) ، الأشباه والنظائر، ط1، دار الكتب العلمية،، ص:158.
(3) أخرجه ابن أبي شيبة في"المصنف" (23445) ، والدارمي (172) ، والنسائي في"سننه"، كتاب آداب القضاة، باب الحكم باتفاق أهل العلم (5397 و5398) ، وابن بشران في"أماليه" (1111) ؛ من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن عمارة- هو ابن عمير- عن عبد الرحمن بن يزيد قال: أكثروا على عبد الله ذات يوم فقال عبد الله: إنه قد أتى علينا زمان ولسنا نقضي ولسنا هنالك ثم إن الله (- عز وجل - قدر علينا أن بلغنا ما ترون فمن عرض له منكم قضاء بعد اليوم فليقض بما في كتاب الله فإن جاء أمر ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه (- صلى الله عليه وسلم - فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه (- صلى الله عليه وسلم - وسلم فليقض بما قضى به الصالحون فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه صلى الله عليه وسلم ولا قضى به الصالحون فليجتهد رأيه ولا يقول إني أخاف وإني أخاف فإن الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات فدع ما يريبك إلى مالا يريبك. وهذه الرواية موقوفة، وروي مرفوعًا عن النبي (- صلى الله عليه وسلم - من حديث النعمان بن بشير بلفظ: «إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه، وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت، صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» . أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه(52) ، ومسلم في كتاب البيوع، باب أخذ الحلال وترك الشبهات (1599) .