فهرس الكتاب

الصفحة 805 من 1574

أتضخم بالشوق حتى ما تكاد تحملني قدماي، والجمال المشهدي يفتك بي فتكًا أليمًا لا هوادة فيه، حتى لأكاد أعصب بصري وأشد على قلبي فلا أرى أني أتزحلق على مرآةٍ بحجم الكون، أرنوا إليها فلا أراني إلا مترنحًا على وشك السقوط، أو ساقطًا يتعثر في القيام، لكنني أمشي وأرقص نحو الأمام، لا مشفقًا على نفسي ولا ناقمًا عليها، إنني أتزحلق بمنتهى الحياد. وهذا الهواء من حولي أتنفسه بعمق، وأعب بشبقٍ روائح البرتقال والليمون والنعناع، لكن ظمأي لا يرتوي ولو أهرقت في جوفي الفرات والنيل. أنا سفر المتاهة والظمأ، وصحراء السراب على حافة الكون، فمن يقرأني فليتحوط بجدولٍ من ماء دجلة.

أنا البدوي الذي جاء يتسكع في محطة القطار، فلما أعجبه وهو يعج بالذاهبين والذاهبات، والراكبين والراكبات، تسلق مندفعًا بينهم، ممسكًا جلبابه الطويل بأسنانه، ثم غاب في زحمة المتاع والناس، وأطلقت صافرة القطار إيذانًا ببداية السفر.

قال إذا استطعت أن تطوف حول المجرات على بساطٍ من الريح فافعل، فالحالمون هم ورثة العلم، والعلم مفتاح المعجزات وتمرس بترويض عقلك كل يوم، وكابده ولا تستسلم لمغريات الراحة وعبثية الجهل، فإنه متى ما أتاك طائعًا، واسلس لك القياد، انفتحت في وجهك سبل الحياة، وانهتكت أمامك بعض أسرار اللانهاية. فأنت إذن بدأت تعرج نحو السماء ولربما تصل.

الإنسان لا يولد مرة واحدة، بل ثلاث مرات، مرة عندما يولد من رحم أمه ويبعث من الغيب إلى الحياة، ومرة عندما يخرج من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة، ومرة عندما يموت.

واكدح، فإن أعمال الكادحين لا تضيع، وإن توهموا غير ذلك إذ ليست الأعمال شريان الحياة فحسب، ولكنها أكبر من ذلك بكثير، ذلك أن لكل عملٍ مهما صغر أو كبر اتصالًا كليًا بجوهر الإبداع، فنحن لا نكون مبدعين حقًا إلا بالعمل، وكل الأعمال سواء من حيث المحصلة النهائية على سعة الكون، فالعسس أو النواطير الذين يعملون في حراسة الضياع والبساتين، لا يقلون خطرًا وشأنًا عن منصب الأمين العام للأمم المتحدة مثلًا.

كل الوظائف مهما صغرت أو كبرت تتساوى في محصلتها النهائية وهي مهمة وأساسية كمثل الخلايا والأعضاء لجسد الكائن الحي، فربما لايموت الإنسان لأن كليته اليمنى أو اليسرى تعطلت، وكذلك هي الحال إذ بتر ساعده الأيمن أو الأيسر، أو كان ذا عينٍ أو رجلٍ واحدة، ولكنه في كل الحالات لا يحسب كامل الأعضاء.

قلت أوصني كيف أعيش حرًا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت