ومضى الليل يقول:.. كنتُ في بدء الخليقة أسافر عبر المجرات إلى تلك الجزر السديمية الهائلة فأكنس وحشتها ثم آتي بها إلى الأرض، وكنت أوزع الوحشة والهول على القلوب المشرئبَّة بأعناقها نحو السماء، كان ذلك دأبي وقافلة الزمان تمضي في مصبها المحزون، وقتها قالت الخلائق يأتي إله الشر، ولكنني لست إلهًا للشر كما أن الفجر ليس إلهًا للخير، ولكننا سفران من أقدم أسفار الوجود باركنا الله ربنا في البدء.. لقد فتحنا لأول الخلق آدم وحواء ونظرا في فصلٍ من صفحاتنا الكثيرة ولا زالت الأجيال جيلًا إثر جيل تقرأ في صفحاتنا وتحاول فك طلاسمها، في تلك الليلة نفسها تكلمت صورة الأنثى التي علقتها في غرفة نومي، لقد قالت: .. ستظل مصلوبًا على وجهي أيها البدوي الحزين، فماذا تفتدي بربك؟...
وتكلّم شخص آخر يسكن في إهابي فقال:... إنه يفتديني أنا أيتها الأنثى المشاغبة، قالت: لكنني أنا العدم...قال: وأنا الوجود.
ومضى الرجل المحزون الذي يسكن في إهابي يسرد لليل وأكداس الظلام فصلًا من مأساة الحب والموت، والحزن والظمأ.
قال: .. في البدء كانت المرأة ضبابًا في البحار المتجمدة وفي حقول العالم البارد الذي لا تشرق فيه الشمس، وكان الكون كهفًا من كهوف الصقيع، وأنا الغريب الذي يتجمد في البحار الميتة.. بحثت عن المرأة في كل صقع بارد وفي المغارات البعيدة وفي وادي العاصفة البيضاء... قابلني شيخ البطريق الكبير يقود سبعين حفيدًا بين الشعاب المتجمدة.
قال سلامٌ أيها الإنسان الذي باركه الله في الأعالي، ثم ارتضاه خليفة على الأرض يحكم فيها حيث يشاء.
قلت سلام أيها الشيخ الوقور وبورك في نسلك الحميد.
قال عمّ تبحث أيها الإنسان في بقاع الزمهرير ووادي العاصفة البيضاء الذي ماطلعت عليه شمس سبعين عامًا.
قلتُ أبحث عن الفجر الرمادي في مغارة الضباب.. لقد خطف امرأتي أيها الشيخ الجليل وقيدها بالدخان المسحور في مغارته.
أومأ الشيخ لأحفاده فجلسوا على صخرة من صخور الجليد، ثم اقترب مني وأخذ بيدي فجلسنا على صخرة أخرى.