فهرس الكتاب

الصفحة 748 من 1574

وفي نهر الطريق يسكن الليل، وعلى الرصيف غريب ينتظر، وتحت شرفة من شرفات المدينة يقتل ماهر البدوي. كان الشاعرالمقتول غريبًا ومات بين غرباء هذا العالم الكبير، وأنا.. أنا أيضًا مسافر غريب، عبرت الصحراء مثلما عبرت البحر، لكنني تمرَّدتُ على الصحراء فأحببتُ البحرَ فكنتُ بذلك أول آبق صحراوي تمرد على أمه، لقد غضبتْ عليّ ولحقَتني لعنتها.. أنا البدوي المسافر وابن الصحراء العاق المحكوم عليه بالظمأ والحزن مدى الحياة..

أنا صاحب الحقيبة الحمراء، أسعى كمعظم دراويش العالم أتسول لنفسي مكانًا أقف عليه في طوابير الجياع.

وفي الربع الخالي من الكون.. فقدتُ بعيري وحملني السراب في تلك اللجة الحمراء، إلى حيث تستوي الحياة والموت، والأنوار والظلم، وعدوتُ في الفج العميق أطلب قطرة من ماء، رفعت عقيرتي المفجوعة إلى الطرف القصي من الكون أنادي.. وأنادي، لكن النداء ظل يتردد في تلك البقاع الموحشة من الكون..

أنا صاحب الحقيبة الحمراء... الغريب الذي أفرد لمركبه الشراع، ويوم رست مركبتي في مرفأ من مرافئ الدنيا، نظرتُ فإذا الصحراء والبحر يقتتلان وأنا بينهما كالذبيحة المعلقة كلاهما يقول إنه ملكي.. إنه لي وحدي دون سائر الوجود، رأيتُ البحر يلتهم الصحراء ورأيتُ الصحراء تلتهم البحر، كلاهما شرس ومخيف، وكلاهما قو لاحدود لجبروته... وأنا من أنا؟... مجرد كائن ضعيف من هذه الكائنات الحقيرة الصغيرة التي تدب على اليابسة أو تسبح في الماء، لكنني جزء منهما شئت أم أبيت... أنا الآخر بحر وصحراء، في داخلي بيداء لا حدود لآفاقها الموحشة، تنوح في أرجائها الغيلان والأشباح، وفي داخلي بحر مزمجر ليس له أول ولا آخر، سأفلت من حصار الصحراء، وسأفرُّ من أسر البحر، ولكن... هل أستطيع الفرار من ذاتي؟...

مصلوبًا على جبين المأساة، وأنا البدوي الذي أضاع ناقته في الربع الخالي... حملت حزني على وعاء مملوء بالصدأ، وعند ذلك الرصيف المهجور من الكون ألقيته كما تلقى الزبالة القديمة لكنني ماكدتُ أخطو الخطوة الأولى عائدًا حتى سمعتُ بكاء الرصيف فعدت مشفقًا على الرصيف المسكين وحملتُ زبالتي، فلما هبط الظلام حملته من جديد وقصدتُ ذلك الفج الغريب حيث النهر فوقفتُ على ضفته العجوز وسلمت عليه بسلام أهل الليل..

قال: من أنت أيها الظل؟

قلت: لا أعرف نفسي..

قال: ماذا تحمل في وعائك الصدئ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت