أحس الدكتور علي نادر أنه يفيق من نوم ثقيل، وأن صوتًا صارخًا يترامى إلى سمعه من بعيد فيه إنذار بخطر قريب.
كان يشعر كأنه في حلم من أحلام طفولته كان يرى نفسه يطير من النافذة إلى وسط الدار، أو يقفز بين السطوح، أو يقف في الفضاء فوق قبة المحكمة الزجاجية يلوح إلى جده بداخلها.
وشعر بتيار هواء بارد يغمر وجهه وسائر جسده، وأنه يتأرجح من اليمين إلى اليسار معلقًا في فضاء لا نهائي.
وفتح عينيه بصعوبة فلم ير شيئًا لأول وهلة. كان يطبق الأفق حوله ظلام بارد أيقظ حواسه النائمة بسرعة. وحملق في العتمة الزرقاء ليرى شبح مخلوق بشري قريبًا منه يتأرجح هو الآخر في الفضاء... وحينئذ فقط أدرك أنه نازل بمظلة ورفع عينيه ليرى قبتها الهائلة تحجب عنه السماء...وترامى إليه صوت من ناحية الشبح الآدمي المعلق على بعد خطوات قليلة منه.
-دكتور نادر!
ولم يجب، فعاد الصوت الذي ميز فيه الآن صوت أنثى مألوفًا:
-دكتور نادر! هل تسمعني؟
فرد هو بصوت مبحوح:
-أسمعك... تاج....
-نعم.. اسمع! حاول الاسترخاء التام. نحن نازلان بمظلة! قريبًا سنلمس الأرض.
وفي اللحظة نفسها لامست قدماه كئيب رمل ناعم فوقع على وجهه وتدحرج إلى أسفله. ووقف يحاول التخلص من شبكة الحبال التي كانت تربطه إلى المظلة وسمع صوت تاج في الظلام.
-دكتور نادر! أين أنت؟
فصاح:
-أنا هنا.
والتفت ليرى شبحها مرتسمًا على الأفق الأزرق وهي واقفة على رأس التل وراءه. ونزلت نحوه تخوض الرمل الناعم وتحمل تحت ذراعيها صرة كبيرة. وحين اقتربت منه سألته.
-هل أنت بخير؟
-أعتقد.
-هل تحس ألمًا من أي نوع؟
-لا، ماذا حدث؟ أين نحن؟
-ألم تعرف؟ لابد أن الضغط أفقدك الوعي. يظهر أن الطائرة لاقت بعض المتاعب الميكانيكية، فوزعت الوصيفات علينا المظلات للهبوط خوفًا من انفجار الطائرة عند احتكاكها بالرمل. وقد ساعدت الوصيفات على إلباسك مظلتك ونزلت معك في نفس الدفعة.
لم يكن الدكتور نادر يدرك معاني ما كانت تقول، فقد كان يمشي على الرمل نصف مخدر كأنه في حلم أو سكر شديد.
وبعد فترة أحس أنها طالت سأل:
-أين نحن؟
وجاءه صوتها:
-لاأدري. مما يظهر نحن الآن في قلب الصحراء الكبرى.
-وماذا سنفعل الآن؟
قالها وهو ينظر إلى تاج التي كانت بعض خصلات شعرها الأسود تتدلى على وجهها وهي تحاول إعادتها إلى تحت الشال الذي كان يغطي رأسها وتنظر حواليها في جميع الاتجاهات وهي تتكلم: