الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56] .
وأيام العبادة هي رحلة العمر القصيرة على هذه الأرض .. تتفلت من الإنسان وهو يرى .. وتمر مر السحاب وهو لا يشعر .. وينبئك عن سرعتها دقات القلب وتلاحق الأنفاس، فقبل عام ودعنا رمضان واليوم نستقبله! وما بين الفراق واللقاء إلا أحد عشر شهرًا حافلة بالأحداث في حياتنا وأيامنا. فقد ودعنا حبيبًا واستقبلنا مولودًا، وغيب الموت صاحبًا وأدنى الزمن نائيًا!
فسبحان مصرف الأيام! وكلنا في الرحلة إلى الدار الآخرة جادون في المسير وسرعان ما يترجل الواحد عن صهوة هذه الدنيا وينزل في باطن الأرض مسجَّى بكفن ومعطرًا بسدر وحنوط!
وإن أهمك الأمر وأفزعتك دورة الأيام، وأردت أن ترسم لك واقعًا مغايرًا لما مضى من الشهور، فاقصد باب التوبة، واطرق جادة العودة، وإن عزمت أن تسير بلا توقف وتشمر فلا تفتر، فقل: لعله آخر رمضان في حياتي .. ولعلي لا أعيش سوى هذا العام، ولا تستكثر عليك هذا التصور، واستنهض همتك وأر الله منك خيرًا. واعلم أن كل لحظة ودقيقة ذهبت من عمرك فهي لن تعود لك أبدًا ولو أنفقت أموال الدنيا أجمع. ومع هذا فأنت مسئول عنها يوم القيامة خيرًا أو شرًا: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}
[الزلزلة: 7 - 8] .
استحضر ذلك كله وأقرع بأصابع الندم باب التوبة، وتحر أوقات