وهذا الكلام وإن كان منطقيًا ومقبولًا في كل بقاع الأرض إلا أنه بالطبع لم يكن مقنعًا لجنكيزخان.. أو قل: إن جنكيزخان لم يكن يرغب في الاقتناع؛ فليس المجال مجال حجة أوبرهان أو دليل.. حقيقة الأمر أن جنكيزخان قد أعد لغزو بلاد المسلمين خططا مسبقة.. ولن يعطلها شيء.. وإنما كان يبحث فقط عن علة مناسبة، أو شبه مناسبة، وقد وجد في هذا الأمر العلة التي كان يريدها..
وبدأ الإعصار التتري الرهيب على بلاد المسلمين!!..
بدأت الهجمة التترية الأولى على دولة خوارزم شاه (انظر الخريطة رقم 4) ..
وجاء جنكيزخان بجيشه الكبير لغزو خوارزم شاه، وخرج له"محمد بن خوارزم شاه"بجيشه أيضًا.. والتقى الفريقان في موقعة شنيعة استمرت أربعة أيام متصلة، وذلك شرق نهر سيحون (وهو يعرف الآن بنهر"سرداريا"، ويقع في دولة كازاخستان المسلمة) ، وقتل من الفريقين خلق كثير.. لقد استُشهد من المسلمين في هذه الموقعة عشرون ألفًا، ومات من التتار أضعاف ذلك.. ثم تحاجز الفريقان، وانسحب"محمد بن خوارزم شاه"بجيشه لأنه وجد أن أعداد التتار هائلة.. وذهب ليحصن مدنه الكبرى في مملكته الواسعة (وخاصة العاصمة: أورجندة) .. كان هذا اللقاء الدامي في عام 616 هجرية..
انشغل"محمد بن خوارزم شاه"في تحضير الجيوش من أطراف دولته، ولكن لا ننسى أنه كان منفصلًا ـ بل معاديًا ـ للخلافة العباسية في العراق، ولغيرها من الممالك الإسلامية؛ فلم يكن على وفاق مع الأتراك ولا مع السلاجقة ولا مع الغوريين في الهند.. وهكذا كانت مملكة خوارزم شاه منعزلة عن بقية العالم الإسلامي.. ووقفت وحيدة في مواجهة الغزو التتري المهول..
وهذه المملكة وإن كانت قوية وتمكنت من الثبات في أول اللقاءات، فإنها ـ ولا شك ـ لن تصمد بمفردها أمام الضربات التترية المتوالية..