وضغوط الواقع. وبهذا المعنى، حيث يتشارك الجميع في نمط المعيش والمكان والزمان دون فوارق اقتصادية أو اجتماعية تذكر، فليس للأعضاء في تنظيم القاعدة، مثلا، أية حقوق تنظيمية أو مكاسب أو مطالب إلا ما تفرضه العقيدة من معايير في الثبات واختيار العناصر والقيادة والقدرة على إدارة الصراع مع الخصم واحتساب أعمالهم عند الله وليس عند أحد غيره سواء كان الزعيم الرمز أو الملك أو الرئيس أو مصلحة الوطن أو أي شيء آخر، ذلك أن التنظيم بنظر أتباعه عقيدة يدورون معها حيث تدور وليس بناء أيديولوجيا ولا أولوية ولا هدفا بحد ذاته ولا غاية مرجوة. فإذا ما قررت العقيدة، بنظر السلفية الجهادية، أن هذا خطأ أو صواب وذاك حلال أو حرام وهذا صديق وذاك عدو فلا مفر حينها من التسليم والدوران حيث تدور العقيدة وتقرر بعيدا عن أي تأثير تنظيمي أو تبعات سياسية.
هذه العبارة أيضا، غير المألوفة بتاتا منذ بدايات القرن العشرين، تقرأ الواقع والحدث وتحكم عليه من خلال العقيدة ولا تقبل إطلاقا التقارب معه أو التعايش معه أو تبريره، فهو بنظرها إما شرعي أو غير شرعي وليكن ما يكون. وجلي القول أن السلفية الجهادية تسحب الحدث والواقع معا إلى الماضي أو إلى ساحة العقيدة وتخضعهما للمساءلة والقول الفصل. وعلى النقيض من ذلك، نشأت الحركات الوطنية وتطورت بشقيها العلماني والإسلامي والرسمي والشعبي، وبشكل مباشر أو غير مباشر، على خلفية بيئة علمانية استُعملت فيها العقيدة، في أحسن أحوالها، كأداة وُظِّفت لإكساب الحدث والواقع مشروعية دينية. وهكذا تبدو العقيدة، بلغة العبارة، كمن يلاحق الحدث والواقع ليحدد الحكم الشرعي منه، في حين يبدو الحدث والواقع من الجانب الآخر كمن يلاحق العقيدة لانتزاع المشروعية منها.
ومن وجهة نظر هذه الدراسة، وبعيدا عن اللغة السياسية أو الأمنية ذات المنحى التكفيري [1] ، والتي تهيمن على الخطاب الإعلامي المضاد، دون أن تحقق أية نتائج تذكر إلا من تعميق الأزمة وزيادة التوتر، فالمعادلة القائمة تشير إلى أن السلفية الجهادية وتنظيماتها المسلحة تتلقى خطابا رسميا من الدولة لا يحتوي إلا على أجندة واحدة هي الحل الأمني المدعوم إعلاميا، بحيث تُقَدًّم فيه السلفية الجهادية بوصفها"الفئة الضالة"أو"خوارج العصر"أو"الإرهابية"أو"رؤوس الفتنة"وأخيرا"العملاء والتافهون"، في حين أنها تستعمل، منذ نشأتها، ذات التوصيفات لإدانة أنظمة الحكم وحلفائهم ممن تسميهم بعلماء السلاطين. ولا شك أن حوار الطرشان هذا عمق الفجوة، وأحدث نوع من القطيعة النهائية بين الطرفين بعد أن شعر التيار السلفي الجهادي بأن الدولة صادرت حتى توصيفاته لها لترميه بها. فكيف تستقيم المعادلة؟ وكيف يمكن مواجهة المشكلة بفاعلية ومنطق معقول؟
وبسبب بؤس الخطاب الإعلامي والسياسي والتغول الغربي على الإسلام والمسلمين ونظام اللاعدالة والتحقير الذي تنتهجه الولايات المتحدة، تمكَّن التيار السلفي فعلا من الثبات وحشد الأنصار على مستوى العالم وتجاوز مرحلة الانقراض، وبات يعكس ظاهرة عالمية تخترق صفوف المسلمين وتتجذر يوما بعد يوم لتكون بديلا ليس
(1) من الطريف حقا أن لغة الخطاب الإعلامي السعودي مثلا تشبه لغة الخصوم حين تصف تيار السلفية الجهادية في السعودية وخارج السعودية بـ"الفئة الضالة"، ومؤخرا استفاق رجال الإعلام والباحثين والمهتمين على توصيف جديد أطلقه وزير الداخلية السعودي الأمير نايف، أمام الملتقى الثاني لمديري هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الرياض، على أسامة بن لادن يتهمه فيه بأنه"إنسان تافه"و"عميل لدولة أجنبية"! ولا ندري إن كان هذا التوصيف يعكس توجها سياسيا جديدا لدى السعودية أم أنه سقطة إعلامية غير محسوبة. راجع تصريح الأمير نايف في صحيفة الشرق الأوسط السعودية بتاريخ 21/ 9 / 2006 في العدد 10159.