فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 39

لتقبلُ من هو شرٌّ من هذا، فقمتُ فصليت ركعتين، ودعوتُ الله عزَّ وجلَّ، فسمعت صوتًا يقول: يا أبا قدامة، أتركُ وليَّ الله، فما رُحتُ حتى نزلتْ عليه طيورٌ فأكلتْهُ.

فلم أتيتُ المدينة ذهبتُ إلى دار والدته، فلما قرعتُ الباب، خرجتْ أختُه إليَّ، فلما رأتني عادتْ، وقالتْ: يا أمّاهُ، هذا أبو قدامة، وليس معه أخي، وقد أصبنا العام الأول بأبي، وفي هذا العام بأخي.

فخرجتْ أمُّه فقالت: أمعزّيًا أم مهنِّئًا؟ فقلتُ: ما معنى هذا؟ فقالت: إن كانَ قد مات فعزِّني، وإن كان استُشهد فهنٍِّئني.

فقلتُ: لا، بل ماتَ شهيدًا، فقالت: له علامةٌ، فهل رأيتها؟ قلتْ: نعمْ، لم تقبلُه الأرضُ، ونزلت الطيور، فأكلت لحمه، وتركتْ عظامَه، فدفنتُها، فقالتْ: الحمد لله، فسلمتُ إليها الخرجَ ففتحتهُ÷، فأخرجتْ منه مسحًا وغلًا من حديد، وقالت: إنه كانَ إذا جنَّه الليل، لبسَ هذا المسحَ، وغلَّ نفسَه بهذا الغلّ، وناجى مولاهُ، وقالَ في مناجاته:"إلهي، أحشُرني من حواصل الطير"، فاستجاب الله سبحانه دعاءَه. رحمنا الله وإياه.

وفي ذكر الموتِ، ونقص الأمل أعظمُ مُصطبرٍ ومزدجر، وأحسنُ معتبر وأرجى مدَّخر.

قال الله [تعالى] [1] : {كل شيء هالك إلا وجهه له الحكمُ وإليه تُرجعون} [2] .

وقال تعالى: {كلُّ من عليها فان. ويبقى وجهُ ربكَ ذو الجلال والإكرام} [3] .

وقال تعالى لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإنْ متَّ فهُم الخالدون كلُّ نفس ذائقة الموت، ونبلوكم بالشرِّ والخير فتنة وإلينا ترجعون} [4] .

(1) زيادة يقتضيها السياق.

(2) سورة القصص: 88.

(3) سورة الرحمن: 26 - 27.

(4) سورة الأنبياء: 34 - 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت