الصفحة 100 من 176

قوله: ( أطيب عند الله من ريح المسك ) اختلف في كون الخلوف أطيب عند الله من ريح المسك - مع أنه سبحانه وتعالى منزه عن استطابة الروائح , إذ ذاك من صفات الحيوان , ومع أنه يعلم الشيء على ما هو عليه - على أوجه . قال المازري: هو مجاز لأنه جرت العادة بتقريب الروائح الطيبة منا فاستعير ذلك للصوم لتقريبه من الله , فالمعنى أنه أطيب عند الله من ريح المسك عندكم أي يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم , وإلى ذلك أشار ابن عبد البر , وقيل المراد أن ذلك في حق الملائكة وأنهم يستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك , وقيل المعنى أن حكم الخلوف والمسك عند الله على ضد ما هو عندكم , وهو قريب من الأول . وقيل المراد أن الله تعالى يجزيه في الآخرة فتكون نكهته أطيب من ريح المسك كما يأتي المكلوم وريح جرحه تفوح مسكا . وقيل المراد أن صاحبه ينال من الثواب ما هو أفضل من ريح المسك لا سيما بالإضافة إلى الخلوف حكاهما عياض . وقال الداودي وجماعة: المعنى أن الخلوف أكثر ثوابا من المسك المندوب إليه في الجمع ومجالس الذكر , ورجح النووي هذا الأخير , وحاصله حمل معنى الطيب على القبول والرضا , فحصلنا على ستة أوجه . وقد نقل القاضي حسين في تعليقه أن للطاعات يوم القيامة ريحا تفوح . قال فرائحة الصيام فيها بين العبادات كالمسك , ويؤيد الثلاثة الأخيرة قوله في رواية مسلم وأحمد والنسائي من طريق عطاء عن أبي صالح"أطيب عند الله يوم القيامة"وأخرج أحمد هذه الزيادة من حديث بشير بن الخصاصية , وقد ترجم ابن حبان بذلك في صحيحه ثم قال"ذكر البيان بأن ذلك قد يكون في الدنيا"ثم أخرج الرواية التي فيها"فم الصائم حين يخلف من الطعام"وهي عنده وعند أحمد من طريق الأعمش عن أبي صالح , ويمكن أن يحمل قوله"حين يخلف"على أنه ظرف لوجود الخلوف المشهود له بالطيب فيكون سببا للطيب في الحال الثاني فيوافق الرواية الأولى وهي قوله"يوم"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت