فقد كان ( يسلُكُ في دعوتِه الحكمةَ ، والوعظَ الحَسَنَ ، والمجادلةَ بالتي هي أحسنُ ، وقد بَلَغَ ( في ذلك شَأْوًا بعيدًا ، مع وصوله إلى الذروةِ في الرأفةِ والرحمة ، والشفقةِ والتيسيرِ ، ورفعِ الحرجِ ، وبُغْضِ التَّنفيرِ ، والحثِّ على قَبولِ الرُّخَصِ ، وعدمِ التَّنَطُّعِ ، والتضييقِ على النفس ، وإعطاءِ الحياةِ ما تستحقُّ من متطلَّباتٍ لا غِنى للإنسان عنها . وهذا كلُّه مع بلاغته ، ووضوحِ كلامِه وقِلَّتِه ، بحيث لو يعدُّه العادُّ لأحصاه ، وانفعالِه مع ما يقولُ ، وكان ( مع ذلك كثيرَ التّبَسُّمِ ، يمازِحُ الناسَ ، ولا يقولُ إلا حقًا ، ويَنْبَسِطُ إليهم صغيرِهم وكبيرِهم ، ذكرِهم وأنثاهم ، ثم هو يُبَشِّرُهم بالأجرِ والثوابِ ، ويحذِّرُهم الإثمَ والعقابَ ، وهو كذلك مشفقٌ على المشركين ، حريصٌ على أن ينقِذَهم من النار، صابرٌ جَلْدٌ لا ييأسُ ولا يَكِلُّ ولا يَمَلُّ ، حتى إنه ليأمل استجابتُهم له ، ولو في النزعِ الأخيرِ .
عن أبي هريرة ( قال: قدم طُفيلُ بنُ عمروٍ الدَّوْسيُّ وأصحابُه على النبي ( ، فقالوا: يا رسولَ الله إن دوسًا عَصَتْ وأَبَتْ ، فادعُ اللهَ عليها ، فقيل: هَلَكَتْ دوسٌ . قال:"اللهم اهْدِ دوسًا وائْتِ بهم"(104) .
وعنه ( قال: قيل: يا رسولَ الله: ادعُ على المشركين . قال:"إني لم أُبْعَثْ لعّانًا ، وإنما بعثت رحمة"(105) .
وعن ابنِ مسعودٍ ( قال: كان النبيُّ ( يَتَخَوَّلُنا بالموعظة في الأيامِ ، كراهةَ السآمةِ علينا(106) .