الصفحة 86 من 98

فلا يستطيع الحاكم في الدين الرباني أن يدعي أن الظروف طارئة، ولا أن يقول: أحكام عسكرية يوقف بها تطبيق دين الله، وتحت هذه الأسماء ووراء هذه الشعارات تسفك الدماء، وتداس الكرامة، وتنتهك الحرمة، وهذا هو شأن جميع الأنظمة الوضعية الأرضية، أو بتعبير أدق (الأديان الأرضية) التي اخترعها البشر من عند أنفسهم، وأبرز ما تكون هذه الظاهرة في الأنظمة العسكرية والانقلابات الثورية، ففي كل انقلاب قانون جديد، وفي كل مرة تنصب المشانق وتعلق على أعواد في الأسواق، ودعك عن التحقيقات مع النساء في الظلام، والناس الذين يدفنون أحياء أو يوضعون في براميل النيتريك، حتى يذوبوا ثم يطالب أهلهم بهم لأنهم فروا من السجن!!

وفي كل مرة يغير فيها النظام تفقد البلد أعز أبنائها، وأقدر كفاءاتها، وأعلى طاقاتها، وأثمن ما لديها وهم العينات من الشباب والمفكرين والقادة وغيرهم.

وثبات العقيدة الربانية يجعل الناس جميعا تحت ظل الدستور والحكم، وليس هنالك حاكم فوق القانون ومحكوم تحت القانون، ونظام يسري على الحاكم، ونظام يسري على المحكوم.

فالله سبحانه وتعالى هو الذي ... (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) ، أما الخليفة والأمير والحاكم فهم جميعا خلق الله، ويعبدون الله بتنفيذ هذا القانون الرباني، فما داموا من خلق الله فهم عبيد وليسوا آلهة لا يسألون.) [ص 29 وما بعدها] .

-إن الرضا بحكم الله والتحاكم لشرعة من أصول العبودية والإيمان التي لا تصح بدونها:

تقدم معنا معنى العبودية وأنها اسم جامع لما يحب الله ويرضى من الأقوال والأفعال في الظاهر والباطن وهذه العبودية شعب متعددة ففي الصحيح عن أبى هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان» [1] . ومن هذه الشعب ما هو من أصول الإيمان إذا زال زال الإيمان بزواله ومنها ما دون ذلك قال ابن القيم -رحمه الله-:(فالكفر والإيمان متقابلان إذا زال أحدهما خلفه الآخر كان الإيمان أصلا له شعب متعددة وكل شعبة منها تسمى إيمانا فالصلاة من الإيمان وكذلك الزكاة والحج والصيام والأعمال الباطنة كالحياء والتوكل والخشية من الله والإنابة إليه حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق فإنه شعبة من شعب الإيمان

وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزوالها كشعبة الشهادة ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق وبينهما شعب متفاوتة تفاوتا عظيما منها ما يلحق بشعبة الشهادة ويكون إليها أقرب ومنها ما يلحق بشعبة إماطة الأذى ويكون إليها أقرب) [2]

وقد بين الدكتور عبد الله عزام -رحمه الله-أن الرضا بحكم الله والتحاكم لشرعه من أصول العبودية والعقيدة فقال:(الرضا بحكم الله هو الركن الركين في العقيدة

شروط العبودية الأول: التحاكم إلى شريعة الله.)ص 39

وقال -رحمه الله-: ( ... الاحتكام إلى الكتاب الذي يملك العلاج الوحيد لما تعانيه البشرية، ليس نافلة، ولا تطوعا، إنما هو الإيمان، ولا إيمان مع غيابه ....

(1) . صحيح مسلم

(2) . الصلاة وحكم تاركها ص 71

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت