الصفحة 84 من 98

-مفهوم العبادة العبودية والغاية من خلق الإنسان:

إن كثيرا من المصطلحات الشرعية اليوم بل إن أمهات المصلحات الشرعية اليوم دخلها التشويه والتحريف بسب بعد المسلمين دينهم ومن هذه المصطلحات مصطلح العبادة فقد أصبحت العبادة اليوم مقتصرة على بعض الشعائر التعبدية كالصلاة والصوم والحج ...

بينما هو أسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال في الظاهر والباطن [1] فالصلاة عبادة والصدق عبادة وبر الوالدين عبادية وتحكيم شرع الله عبادة كما قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)

وفي بيان ذلك يقول د. عبد الله عزام -تقبله الله-:

(ومن اللحظة الأولى التي أعلن فيها ميلاد الإنسان أمر الملائكة بالسجود له إيذانا بكرامته عند الله، ولقد حرصت الآيات الكثيرة بتكريمه؛(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) ، (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) .

وعلى هذا فالإنسان كريم في هذا الدين، وتكريمه من صلب هذه العقيدة، إذن لا بد أن يكون له دور كبير، ولقد حددت الآية التي أعلنت عن خلقه وظيفة من وظائفه، (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) .

وحددت الآية الأخرى قصر وظيفته على العبادة؛ (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين) .

(إلا ليعبدون) وإلا عندما تأتي بعد النفي تكون للحصر والقصر، فقد حصر الله وظيفته في العبادة التي تقول بأنه لعمارة الأرض وإصلاحها وبأنه خليفة في الأرض.

إذن لا بد أن تكون خلافة الأرض وعمارتها جزء من العبادة، فالعبادة تشمل كل جوانب الحياة، فالصلاة عبادة، وزيارة الأرحام عبادة، وغض البصر عن المحارم عبادة، والعدل في الحكم عبادة، ولبس الجلباب الطويل للمرأة عبادة، والأمانة في البيع، والجهاد في سبيل الله عبادة، بل يصبح الطعام عبادة والمودة بين الزوجين عبادة. وتصبح كل كلمة وكل حركة وكل خالجة عبادة، بل النية الطبية عبادة، والبغض في الله عبادة.

هذا كله بشرط واحد أن تكون هذه الأعمال مرتبطة بالله، بحيث تكون متجهة إلى الله عزو جل، خالصة لوجهه الكريم

إن تنفيذ كل أمر جاء في الكتاب أو السنة واجتناب كل نهي ورد فيهما عبادة، إن كل تصرف في الحياة عبادة، إن العبادة تشمل كل نشاط للإنسان في هذه الحياة، هذا مع صدق النية وإخلاصها وتجردها لله.) [ص 26 - 28] .

(1) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: ("العبادة"هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه: من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة؛ وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والجهاد للكفار والمنافقين والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة. وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه. وإخلاص الدين له والصبر لحكمه والشكر لنعمه والرضا بقضائه؛ والتوكل عليه؛ والرجاء لرحمته والخوف لعذابه وأمثال ذلك هي من العبادة لله. وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له والمرضية له التي خلق الخلق لها كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ} وبها أرسل جميع الرسل) مجموع الفتاوى 10/ 149 - 150

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت