"وإذا انتهى العصر الوسيط كما تنتهي الأشياء في التاريخ، إلا أن هذه الأشياء لا تزول تمامًا، بل تبقى مع الزمن، فإننا نجد في حياة رجال القرن السادس عشر وأفكارهم وأعمالهم كثيرًا من معالم العصر الوسيط الراحل. وليس في سياق التاريخ واستمراره انقطاع للحوادث البشرية، بل إن هذه الحوادث تجري في تطور بطئ مستمر، وقد يقع أن يحدث ما يؤخر سيرها، غير أنها تعاود الكرة وتستأنف تقدمها ولو ببطء وخجل."ويقول أيضًا:"تتجلى مظاهر التجديد في أوروبا عصر النهضة، بحوادث كبرى، وتطورات عظيمة، أشبه ما تكون بثورات،؛ فكرية دينية، أخلاقية سياسية تجديدية، في الاقتصاد الجديد." (1) . و يقول نور الدين حاطوم أيضًا:"وبدا لنا القرن السادس عشر وكأنه التفاتة نحو الماضي أكثر منها نحو المستقبل، أو رجعة نحو ماضيين يجملهما معًا، وهما القديم الوثني والقديم العبري- المسيحي، أو نحو الإلياذة والكتاب المقدس. وما النهضة والإصلاح الديني في البدء إلا حركتان متوازيتان وباتجاه واحد لتتعرف إحداهما بحقيقة الحياة الإنسانية في العصر القديم، ولتعيد الأخرى الدين المسيحي إلى نقاوته القديمة الأولى. فحين نحاول أن نجد ثورة، لا نجد في الحقيقة إلا رجعية.."
... هذه الكلمات الهامة التي يشير إليها نور الدين حاطوم تشير إلى أن مفهوم النهضة في الفكر الأوروبي لم يكن قطيعة مع الماضي؛ بل هي تواصل معه واستجلاب الخيرية التي كانت فيه، ثم انطلاقٌ إلى المستقبل لمحاولة البحث عن فرصه، وما يمكن اقتناصه منه.
هذه قضية في غاية الأهمية، إذ يدّعي البعض في واقعنا الإسلامي بأننا يجب أن نترك الماضي بخيره وشره، وأن نتبنى ما عند الآخر بخيره وشره، وننطلق إلى المستقبل، وهذا أمر لم يحدث حتى في الحضارة التي يقوم
البعض بتقليدها والإعجاب بها.
(1) العبارات الأخيرة في الفقرة التي تبدأ من كلمة"تتجلى.."أجري عليها بعض التحريف البسيط.