حالة الاسترخاء تجاهه -"كالحكم بمقتضى الديموقراطية, المجتمع العلماني, تقارب الأديان, إخواننا النصارى, ثقافة الحوار, خط اللاعنف مطلقا, التسامح بلا حدود .."- كل ذلك في سبيل إبراز هؤلاء المثقفين للوجه الحضاري للدعوة الإسلامية من ناحية, وهروبا من مواجهة حقيقة الصراع من ناحية أخرى، لذا فقد اجتهدوا في إسقاط تلك المقدمة المسماه بـ"صراع الحضارات"واعتبروها تفكير أصولي شاذ لا يتلاءم مع الصورة الوردية للإسلام، ولم يسمحوا لها أن تعكر عليهم أجواء التلذذ بموائد الحوار وأحلام السلام, في الوقت الذي كان العدو فيه يستعد للصدام والصراع بكل أشكاله.
حتى بالرغم من تصريح قادة الغرب أمام العالم بأنهم سيشنون حربا صليبية على المسلمين, فقد استبعد البعض أن تكون حربا صليبية بالفعل، لأن هذا توصيف رجعي لا يليق إلاّ بقاموس"القرون الوسطى"، في حين أن الدول الغربية دول متحضرة، يجب أن تُنزه عن التلبس بالأفكار المتخلفة, وإذا كان"بوش"قد قال إنها حرب صليبية، فإن عقلانية الرؤية تفرض علينا أن نعتبرها مجرد فلتة لسان قابلة للتأويل!!
لذا .. فقد أوّلها العملاء والمندوبون، وتغافل عنها الجبناء والمغفلون، إصرارا منهم على استبعاد فكرة الحرب الدينية وإحسانا للظن بأعدائهم, لكن"بوش"عاد مرة ثانية وأكد أنه يعي ما يقول، حيث جاء في حديثه إلى الجنود الكنديين:"وقِفوا إلى جانبنا في هذه الحملة الصليبية الهامة"، حتى قال"روبرت فيسك"في إحدى مقالاته:"يبدو أن الرئيس بوش يعتقد حقيقة أنه يقود حملة صليبية، فقد عاد ليستعمل العبارة قبل أيام رغم أنه حُذر من ذلك".
وبعد أن سقطت أقنعتهم وفضح الله سرائرهم سمعنا حقيقة ما تجيش به دواخلهم فأصبحوا يرددون:"حرب صليبية, رسول إرهابي, تجفيف منابع الإسلام, التكيف أو الاندثار ..."، ألفاظ ظن السذج أن محلها الماضي السحيق وأن"عصر الأنوار"قد دفنها إلى الأبد, فإذا بها تبعث قولا من جديد, وإلا فالعمل بمقتضاها لم يتوقف قط.
وها هي الأحداث قد أكدت ما أعلنه الأعداء ... بعد أن رأى العالم أن العراق وأفغانستان وطليعة الأمة من ألوية شبابها المجاهد لم يكونوا سوى الخط الأول لمواجهة هذه الحملة، وأن شعار مكافحة"الإرهاب"لم يكن إلا عنوانا لإعلان الحرب على الأمة الإسلامية، فيما يبدو أنها محاولة جديدة للعودة إلى الاستعمار المباشر، بعد أن ظهر أن الاستعمار بالوكالة قد بدأ يفقد قدرته على الإمساك بزمام الأمور.
حتى أن الحملة الجديدة تجاوزت حد الاعتداء على أفغانستان والعراق لتدخِل في دائرتها كل الجماعات المجاهدة على امتداد العالم، بل لقد امتدت حملة ما يسمى بمكافحة"الإرهاب"إلى كل ما هو إسلامي،