فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 52

الدنيا مغموسة في ضباب، نظره يضعف يومًا بعد يوم، سيسأل عن طبيب عيون قبل أن يرى العتمة والعدم. وقف في مكانه يطبق جفنيه ويفتحهما مكررًا ذلك لتتوضح الصورة أمامه، أيمكن أن يكون ما يراه حقيقة؟!

رفع رأسه بثقة، فتح أزرار قميصه الأخضر عن صدر أسمر محمّر، والآن صار في منتصف المسافة بينه وبينها، غمزها بعينه فردت بابتسامة، لاحقت نظراته هيئتها الجميلة، وهي تشير له بالاقتراب. الدم يخرج من قلبه ناضجًا، صاخبًا كضجيج ماء الصهريج الماص لتربة الأرض، أخفض جذعه حتى صار رأسه بمحاذاة نعله، مسح غباره، ثم تابع خطواته نحوها، يرمق جسدها الطويل بشهوة، جسدٌ يظهر أكثر مما يخفي، كأنها تعرفه، ابتسامتها طويلة ومستمرة. صار على بعد خطوتين عندما ابتسم بمرارة، مازالت تبتسم كالبلهاء.. كالساحرة المتخفية في تمثال الجمال، تحسّس شعرها اللامع بأنامله، فتلوثت الأنامل بغبار الرصيف. انطفأت حرارته، تعرّق، مرت شموس الفصول الأربعة دفعة واحدة في داخله وهي نفسها، لكنّها تنقلب على نفسها تحمّر، تصفّر.. تغيب وترجع. لايدري كيف ذهب بفكره، وفي تلك اللحظة بالذات، بصور الشمس شمس تشرين، فالفتاة من ورقٍ مصقولٍ، دخل محل التصوير لما رأى نفسه قبالة المدخل، دس الوصل في جيبه (صورةً كبيرةً.. المبلغ مدفوع) .

في الليلة العاشرة من هذا الحدث، وبعد جهد جهيد من العمل. ألقى بجسده المنهوك فوق السرير ناظرًا في صورته المحاطة بإطار فضي في صدر الغرفة.

إنّه يبتسم بأمرٍ من المصوّر... (إرفع رأسك.. انظر إلى يدي.. لا، لا تنظر هكذا، ابتسم.. واحدْ، اثنانْ.. تْشَكْ)

النعجة الضائعة

بيت مصور بالفقر، وأرض حمراء صغيرة مزروعة بالشتل. ثمانية أولاد بالإضافة إلى البقرة والأتان. هذا كل ما كان يملكه ونوس من هذه الدنيا. يجر نفسه وراء الحيوانين ليتعاونوا ثلاثتهم في الحراثة، منذ طلوع الفجر وحتى الظهر. قلمت التربة على شكل خطوط استعدادًا لموسم قادم. وحين يتعب وتتستر ملامحه بالغبار يعود إلى زوجته. تساعده في خلع حذائه الموحل بالتراب الأحمر. تحضر صدرًا واسعًا من القش فيه خبز تنور (وكرابيج) من الذرة المسلوقة يتحلق العشرة حولها جالسين فوق حصير. يصرخ رئيف على عادته:

-ما شبعت.. كربوجة واحدة لا تكاد تصل إلى المعدة..

يجيب الأب بحدة..

-الذي يأكل كثيرًا يكون كالبقرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت