الصفحة 34 من 429

إفْضَاؤُهُ إلَى الْفَسَادِ , وَلِهَذَا نُهِيَ عَنْ الْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ , وَأَمَّا النَّظَرُ لَهَا كَانَتْ الْحَاجَةُ تَدْعُو إلَى بَعْضِهِ وَخُصَّ مِنْهُ فِيمَا تَدْعُو لَهُ الْحَاجَةُ ; لِأَنَّ الْحَاجَةَ سَبَبُ الْإِبَاحَةِ , كَمَا أَنَّ الْفَسَادَ وَالضَّرَرَ سَبَبُ التَّحْرِيمِ , فَإِذَا اجْتَمَعَا رَجَحَ أَعْلَاهُمَا , كَمَا رَجَحَ عِنْدَ الضَّرَرِ أَكْلُ الْمَيْتَةِ , لِأَنَّ مَفْسَدَةَ الْمَوْتِ شَرٌّ مِنْ مَفْسَدَةِ الِاغْتِذَاءِ بِالْخَبِيثِ. وَالنَّرْدُ وَالشِّطْرَنْجُ وَنَحْوُهُمَا مِنْ الْمُغَالَبَاتِ فِيهَا مِنْ الْمَفَاسِدِ مَا لَا يُحْصَى , وَلَيْسَ فِيهَا مَصْلَحَةٌ مُعْتَبَرَةٌ , فَضْلًا عَنْ مَصْلَحَةِ مُقَاوَمَةٍ غَايَتُهُ أَنْ يُلْهِيَ وَيُرِيحَهَا عَمَّا يَقْصِدُ شَارِبُ الْخَمْرِ ذَلِكَ. وَفِي إرَاحَةِ النَّفْسِ بِالْمُبَاحِ الَّذِي لَا يَصُدُّ عَنْ الْمَصَالِحِ , وَلَا يَجْتَلِبُ الْمَقَاصِدَ غُنْيَةً , وَالْمُؤْمِنُ قَدْ أَغْنَاهُ اللَّهُ بِحَلَالِهِ عَنْ حَرَامِهِ , وَبِفَضْلِهِ عَمَّنْ سِوَاهُ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} . وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ: عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {يَا أَبَا ذَرٍّ , لَوْ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عَمِلُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ , لَوَسِعَتْهُمْ} . وَقَدْ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْمُتَّقِيَ يَدْفَعُ عَنْهُ الْمَضَرَّةَ , وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ مَخْرَجًا مِمَّا ضَاقَ عَلَى النَّاسِ , وَيَجْلِبَ لَهُ الْمَنْفَعَةَ وَيَرْزُقُهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ. وَكُلُّ مَا يَتَغَذَّى بِهِ الْحَيُّ مِمَّا تَسْتَرِيحُ بِهِ النُّفُوسُ , وَتَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي طِيبِهَا وَانْشِرَاحِهَا فَهُوَ مِنْ الرِّزْقِ , وَاَللَّهُ تَعَالَى يَرْزُقُ ذَلِكَ لِمَنْ اتَّقَاهُ بِفِعْلِ الْمَامُورِ , وَتَرْكِ الْمَحْظُورِ , وَمَنْ طَلَبَ ذَلِكَ بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ , وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْمَيْسِرِ , فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ طَلَبَ ذَلِكَ بِالْخَمْرِ , وَصَاحِبُ الْخَمْرِ يَطْلُبُ الرَّاحَةَ وَلَا يَزِيدُهُ إلَّا تَعَبًا وَغَمًّا. وَإِنْ كَانَتْ تُفِيدُهُ مِقْدَارًا مِنْ السُّرُورِ فَمَا يَعْقُبُهُ مِنْ الْمَضَارِّ , وَيَفُوتُهُ مِنْ الْمَسَار أَضْعَافُ ذَلِكَ كَمَا جَرَّبَ ذَلِكَ مَنْ جَرَّبَهُ , وَهَكَذَا سَائِرُ الْمُحَرَّمَاتِ. وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمَيْسِرَ لَمْ يُحَرَّمْ لِمُجَرَّدِ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ , وَإِنْ كَانَ أَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ مُحَرَّمًا , وَلَوْ تَجَرَّدَ عَنْ الْمَيْسِرِ , فَكَيْفَ إذَا كَانَ فِي الْمَيْسِرِ , بَلْ فِي الْمَيْسِرِ عِلَّةٌ أُخْرَى غَيْرُ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ , كَمَا فِي الْخَمْرِ أَنَّ اللَّهَ قَرَنَ بَيْنَ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ , وَجَعَلَ الْعِلَّةَ فِي تَحْرِيمِ هَذَا هِيَ الْعِلَّةُ فِي تَحْرِيمِ هَذَا , وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْخَمْرَ لَمْ تُحَرَّمْ لِمُجَرَّدِ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ , وَإِنْ كَانَ أَكْلُ ثَمَنِهَا مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ , فَكَذَلِكَ الْمَيْسِرُ. يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ أَوَّلُ مَا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَك عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} وَالْمَنَافِعُ الَّتِي كَانَتْ قِيلَ: هِيَ الْمَالُ. وَقِيلَ هِيَ اللَّذَّةُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْخَمْرَ كَانَ فِيهَا كِلَا هَذَيْنِ , فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَنْتَفِعُونَ بِثَمَنِهَا وَالتِّجَارَةِ , فِيهَا كَمَا كَانُوا يَنْتَفِعُونَ بِاللَّذَّةِ الَّتِي فِي شُرْبِهَا , ثُمَّ إنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمَّا حَرَّمَ الْخَمْرَ لَعَنَ الْخَمْرَ وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَبَائِعَهَا وَمُشْتَرِيَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ وَسَاقِيَهَا وَشَارِبَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا , وَكَذَلِكَ الْمَيْسِرُ كَانَتْ النُّفُوسُ تَنْتَفِعُ بِمَا تُحَصِّلُهُ بِهِ مِنْ الْمَالِ , وَمَا يَحْصُلُ بِهِ مِنْ لَذَّةِ اللَّعِبِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} . لِأَنَّ الْخَسَارَةَ فِي الْمُقَامَرَةِ أَكْثَرُ , وَالْأَلَمَ وَالْمَضَرَّةَ فِي الْمُلَاعَبَةِ أَكْثَرُ. وَلَعَلَّ الْمَقْصُودَ الْأَوَّلَ لِأَكْثَرِ النَّاسِ بِالْمَيْسِرِ , إنَّمَا هُوَ الِانْشِرَاحُ بِالْمُلَاعَبَةِ وَالْمُغَالَبَةِ , كَمَا أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَوَّلَ لِأَكْثَرِ النَّاسِ بِالْخَمْرِ إنَّمَا هُوَ مَا فِيهَا مِنْ لَذَّةِ الشُّرْبِ , وَإِنَّمَا حَرُمَ الْعِوَضُ فِيهَا لِأَنَّهُ أَخْذُ مَالٍ بِلَا مَنْفَعَةٍ فِيهِ , فَهُوَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ , كَمَا حَرُمَ ثَمَنُ الْخَمْرِ , وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ , وَالْأَصْنَامِ , فَكَيْفَ تُجْعَلُ الْمَفْسَدَةُ الْمَالِيَّةُ هِيَ حِكْمَةُ النَّهْيِ , فَقَطْ وَهِيَ تَابِعَةٌ , وَتُتْرَكُ الْمَفْسَدَةُ الْأَصْلِيَّةُ الَّتِي هِيَ فَسَادُ الْعَقْلِ وَالْقَلْبِ , وَالْمَالُ مَادَّةُ الْبَدَنِ. وَالْبَدَنُ تَابِعُ الْقَلْبِ , وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَلَا إنَّ فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت