الصفحة 32 من 429

الرَّمْيِ بِالنُّشَّابِ , وَنَحْوَ ذَلِكَ , فَإِنَّ الْمُقَامَرَةَ إذَا دَخَلَتْ فِي هَذَا حَرَّمُوهُ , مَعَ أَنَّهُ عَمَلٌ صَالِحٌ , وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ , كَمَا فِي الصَّحِيحِ: عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {ارْمُوا وَارْكَبُوا , وَإِنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا} . {وَمَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ ثُمَّ نَسِيَهُ فَلَيْسَ مِنَّا} . وَكَانَ هُوَ وَخُلَفَاؤُهُ يُسَابِقُونَ بَيْنَ الْخَيْلِ , وَقَرَأَ عَلَى الْمِنْبَرِ: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} الْآيَةَ ثُمَّ قَالَ: {أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ , أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ , أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ} . فَكَيْفَ يُشْبِهُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ , وَاتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْأَمْرِ بِهِ , بِمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ وَأَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ , وَإِذَا لَمْ يُجْعَلْ الْمُوجِبُ لِلتَّحْرِيمِ إلَّا مُجَرَّدَ الْمُقَامَرَةِ كَانَ النَّرْدُ , وَالشِّطْرَنْجُ , كَالْمُنَاضَلَةِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ هَبْ أَنَّ عِلَّةَ التَّحْرِيمِ فِي الْأَصْلِ هِيَ الْمُقَامَرَةُ , لَكِنَّ الشَّارِعَ قَرَنَ بَيْنَ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ فِي التَّحْرِيمِ فَقَالَ تَعَالَى: {إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} . فَوَصَفَ الْأَرْبَعَةَ بِأَنَّهَا رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ , وَأَمَرَ بِاجْتِنَابِهَا , ثُمَّ خَصَّ الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ بِأَنَّهُ {إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ} . وَيُهَدِّدُ مَنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} كَمَا عَلَّقَ الْفَلَاحَ بِالِاجْتِنَابِ فِي قَوْلِهِ: {فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} . وَلِهَذَا يُقَالُ إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْخَمْرَ لَمَّا أَمَرَ بِاجْتِنَابِهَا حَرُمَ مُقَارَبَتُهَا بِوَجْهٍ , فَلَا يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهَا وَلَا شُرْبُ قَلِيلِهَا , بَلْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَمَرَ بِإِرَاقَتِهَا , وَشَقِّ ظُرُوفِهَا , وَكَسْرِ دِنَانِهَا , وَنَهَى عَنْ تَخْلِيلِهَا , وَإِنْ كَانَتْ لِيَتَامَى مَعَ أَنَّهَا اُشْتُرِيَتْ لَهُمْ قَبْلَ التَّحْرِيمِ , وَلِهَذَا كَانَ الصَّوَابُ الَّذِي هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ , وَابْنِ الْمُبَارَكِ , وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَمْرِ شَيْءٌ مُحْتَرَمٌ , لَا خَمْرَةُ الْخِلَالِ وَلَا غَيْرُهَا , وَأَنَّهُ مِنْ اتَّخَذَ خَلًّا فَعَلَيْهِ أَنْ يُفْسِدَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَخَمَّرَ بِأَنْ يَصُبَّ فِي الْعَصِيرِ خَلًّا وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ تَخْمِيرَهُ , بَلْ كَانَ {النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ الْخَلِيطَيْنِ} لِئَلَّا يَقْوَى أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فَيُفْضِي إلَى أَنْ يَشْرَبَ الْخَمْرَ الْمُسْكِرَ مَنْ لَا يَدْرِي , وَنَهَى عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ الَّتِي يَدِبُّ السَّكَرُ فِيهَا وَلَا يُدْرَى مَا بِهِ: كَالدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالظَّرْفِ الْمُزَفَّتِ وَالْمَنْقُورِ مِنْ الْخَشَبِ وَأَمَرَ بِالِانْتِبَاذِ فِي السِّقَاءِ الْمُوكَئِ لِأَنَّ السَّكَرَ يُنْظَرُ. إذَا كَانَ فِي الشَّرَابِ انْشَقَّ الظَّرْفُ , وَإِنْ كَانَ فِي نَسْخِ ذَلِكَ أَوْ بَعْضِهِ نِزَاعٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهِ. فَالْمَقْصُودُ سَدُّ الذَّرَائِعِ الْمُفْضِيَةِ إلَى ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ , وَكَذَلِكَ كَانَ يَشْرَبُ النَّبِيذَ ثَلَاثًا , وَبَعْدَ الثَّلَاثِ يَسْقِيهِ أَوْ يُرِيقُهُ ; لِأَنَّ الثَّلَاثَ مَظِنَّةُ سُكْرِهِ , بَلْ كَانَ أَمَرَ بِقَتْلِ الشَّارِبِ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ فَهَذَا كُلُّهُ. لِأَنَّ النُّفُوسَ لَمَّا كَانَتْ تَشْتَهِي ذَلِكَ وَفِي اقْتِنَائِهَا وَلَوْ لِلتَّخْلِيلِ مَا قَدْ يُفْضِي إلَى شُرْبِهَا , كَمَا أَنَّ شُرْبَ قَلِيلِهَا يَدْعُو إلَى كَثِيرِهَا فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ. فَهَذَا الْمَيْسِرُ الْمَقْرُونُ بِالْخَمْرِ إذَا قُدِّرَ أَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِهِ أَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ , وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حُصُولِ الْمَفْسَدَةِ وَتَرْكِ الْمَنْفَعَةِ , وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذِهِ الْمَلَاعِبَ تَشْتَهِيهَا النُّفُوسُ , وَإِذَا قَوِيَتْ الرَّغْبَةُ فِيهَا أَوْ دَخَلَ فِيهَا الْعِوَضُ كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ , وَكَانَ مِنْ حُكْمِ الشَّارِعِ أَنْ يَنْهَى عَمَّا يَدْعُو إلَى ذَلِكَ , لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ , وَهَذَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت