فهرس الكتاب

الصفحة 267 من 294

قال أبو القاسم الآمدي في قول البحتري [1] : [من البسيط]

فصاغ ما صاغ من تبر ومن ورق … وحاك ما حاك من وشي وديباج

صوغ الغيث النبت وحوكه النبات، ليس باستعارة بل هو حقيقة، ولذلك لا يقال: «هو صائغ» ولا «كأنه صائغ» وكذلك لا يقال: «حائك» و «كأنه حائك» ، على أن لفظة «حائك» خاصّة في غاية الركاكة، إذا أخرج على ما أخرجه عليه أبو تمام في قوله [2] : [من الطويل]

إذا الغيث غادى نسجه خلت أنّه … خلت حقب حرس له وهو حائك

وهذا قبيح جدّا، والذي قاله البحتري: «وحاك ما حاك» ، حسن مستعمل، فانظر ما بين الكلامين لتعلم ما بين الرّجلين.

قد كتبت هذا الفصل على وجهه، والمقصود منه منعه أن تطلق الاستعارة على «الصوغ» و «الحوك» ، وقد جعلا فعلا للربيع، واستدلاله على ذلك بامتناع أن يقال:

«كأنه صائغ» و «كأنه حائك» .

اعلم أن هذا الاستدلال كأحسن ما يكون، إلا أن الفائدة تتمّ بأن تبيّن جهته، ومن أين كان كذلك؟ والقول فيه: إن التشبيه كما لا يخفى يقتضي شيئين مشبّها ومشبّها به. ثم ينقسم إلى الصريح وغير الصريح، فالصريح أن تقول: «كأنّ زيدا الأسد» ، فتذكر كل واحد من المشبّه والمشبّه به باسمه- وغير الصريح أن تسقط المشبّه به من الذكر، وتجري اسمه على المشبّه كقولك: «رأيت أسدا» ، تريد رجلا شبيها بالأسد، إلا أنك تعيره اسمه مبالغة وإيهاما أن لا فصل بينه وبين الأسد، وأنه قد استحال إلى الأسدية.

(1) البيت في ديوانه فانظره. والتّبر: الذهب كله وقيل: الذهب المكسور، وقيل: الفتات من الذهب والفضة والورق والورق: الدراهم المضروبة. والوشي: من الثياب وهو يكون من كل لون والجمع:

وشاء. والديباج: ضرب من الثياب والدّبج: النقش والتزيين والديباج جمعها: دبابيج وديابيج.

(2) البيت في ديوانه ص 211، والبيت فيه «أتت» بدل «خلت» وهو من قصيدة يمدح فيها أبا سعيد محمد بن يوسف الثغري مطلعها:

قرى دراهم منّي الدموع السوافك … وإن عاد صبحي بعدهم وهو حالك

والسوافك: المنصبة، والحالك: الأسود. وقال الشيخ شاكر: انتهى كلام أبي القاسم الآمدي هنا وهو في كتابه الموازنة 1/ 497، 498 (المعارف) . ونقله الشيخ (يقصد عبد القاهر) في دلائل الإعجاز رقم 647 ص 553 اه. والحقبة: مدة من الدهر جمعها حقب، والحرس: الدهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت