وهنا نقطتان مهمتان:
الأولى: هل يكون هذا التقسيم خاصا بزيادة الثقة أم شاملا لجميع ما ينفرد به الثقة من المرويات بما فيه زياداته؟
الذي يبدو من تحليل تلك النصوص أن الذي قسمه ابن الصلاح هو ما ينفرد به الثقة عموما بحيث تدخل فيه الزيادة، وليس التقسيم مقيدا بزيادة الثقة، إذ قال: ''وقد رأيت تقسيم ما ينفرد به الثقة إلى ثلاثة أقسام'' ولم يقل: ''تقسيم ما يزيده الثقة''، والفرق بينهما جلي إذ الأول أعم من الثاني.
ويتأيد ذلك بما ورد في القسم الثاني من قوله: ''أن لا يكون فيه منافاة ومخالفة أصلا لما رواه غيره، كالحديث الذي تفرد برواية ثقة ولا تعرض فيه لما رواه الغير بمخالفة أصلا، فهذا مقبول، وقد ادعى الخطيب فيه اتفاق العلماء عليه وسبق مثاله في نوع الشاذ''.
وسياق هذا النص الذي جعل الحديث الفرد أنموذجا للقسم الثاني دليل على أن التقسيم كان شاملا لجميع ما ينفرد به الثقة بحيث يدخل فيه الحديث الفرد، ولذا ختم القسم الثاني بقوله: ''فهذا مقبول؛ وقد ادعى الخطيب فيه اتفاق العلماء عليه، وسبق مثاله في نوع الشاذ''، إذ من المعلوم أن الخطيب إنما يدعي الاتفاق في قبول الحديث الفرد الذي ينفرد به الثقة من أصله ولم يشاركه أحد في روايته، وهذا نصه:
''والذي نختاره من هذه الأقوال أن الزيادة الواردة مقبولة على كل الوجوه ومعمول بها إذا كان راويها عدلا حافظا متقنا ضابطا، والدليل عليه أمور: أحدها: اتفاق جميع أهل العلم على أنه لو انفرد الثقة بنقل حديث لم ينقله غيره لوجب قبوله، ولم يكن ترك الرواة لنقله إن كانوا عرفوه، وذهابهم عن العلم به، معارضا له ولا قادحا في عدالة راويه ولا مبطلا له؛ وكذلك سبيل الانفراد بالزيادة.'' [54] .
ومن هنا يتعين أن يكون القسم الثاني منحصرا في الحديث الفرد، وأما إذا قلنا غير ذلك وجعلنا قوله: ''كالحديث الذي تفرد برواية جملته ثقة ولا تعرض فيه لما رواه الغير بمخالفة أصلا'' مجرد تمثيل للقسم الثاني بما هو أقرب إلى فهم القارئ دون أن يدرجه في هذا القسم، وحملنا الإشارة في قوله ''فهذا مقبول'' على المثال وحده فإن السياق يصبح غير مستقيم لكون المثال محل تركيز في بيان الحكم دون القسم الثاني، والخروج من الموضوع بهذا الشكل يعد خللا في المنهج. ولو جاء النص هكذا: ''فهذا مقبول كالحديث الذي تفرد برواية ثقة'' لأصبح ذلك مقبولا جدا، يعني أن هذا القسم مقبول كقبول الحديث الفرد.
هذا إذا جعلنا الإشارة في قوله ''فهذا مقبول'' للمثال، وأما إذا كان المشار إليه هو القسم الثاني، الذي هو الزيادة غير المنافية، فيكون فيه الإشكال من وجهين:
الأول: وقوع الخطأ فيما نقله عن الخطيب؛ إذ الخطيب لم يدع الاتفاق على قبول زيادة الثقة كما أوضحنا آنفا.
الثاني: وقوع التداخل بين القسم الثاني والثالث ويكون مغزاهما واحدا، وهذا غير سليم حيث فرق بينهما وجعل الثالث مترددا بين الثاني والأول.
وكذلك أيضا ما ورد في القسم الثالث يفيد بأن تقسيم ابن الصلاح إنما كان عاما شاملا لجميع ما ينفرد به الثقة دون أن يخصص بالزيادات، حيث قال في تحديد هذا القسم:''ما يقع بين هاتين المرتبتين مثل زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر من روى ذلك الحديث.'' يفهم من هذا السياق أن ما سبق ذكره من الأقسام لم يكن بخصوص زيادة لفظة، إذ جعل الفاصل بين هذا القسم وبين سابقيه هو زيادة لفظة لم يذكرها سائر من روى ذلك الحديث، ولم يقل: زيادة لفظة تشبه الأول من جهة وتشبه الثاني من جهة أخرى.
ويتأيد ذلك بما قاله الحافظ ابن حجر تعقيبا على ابن الصلاح: ''لم يحكم ابن الصلاح على هذا الثالث بشيء، والذي يجري على قواعد المحدثين أنهم لا يحكمون عليه بحكم مستقل من قبول ورد، بل يرجحون بالقرائن كما قدمناه في مسألة تعارض الوصل والإرسال''. ومن المعلوم أن هذا الذي ذكره الحافظ إنما هو فيما يخص مسألة زيادة الثقة بقضها وقضيضها بغض النظر عن وجود المنافاة فيها.
والذي شرحناه آنفا يكون مستندا قويا لحمل التقسيم على شموليته لجميع ما ينفرد به الثقة. وإلا فلا يخلو تخصيص التقسيم بالزيادة من تكلف ظاهر. وربما يثير هذا الفهم شيئا من الغرابة لدى القارئ لكون ذلك مخالفا لما في كتب المصطلح، حيث تتفق كلها على أن التقسيم كان في زيادات الثقات وليس بتقسيم شامل لجميع ما ينفرد به الراوي.
مثلا: قال الإمام النووي: ''وقسمه الشيخ أقساما:
أحدها: زيادة تخالف الثقات فترد كما سبق .
الثاني: ما لا مخالفة فيه كتفرد ثقة بجملة حديث ، قال الخطيب: يقبل باتفاق العلماء .
الثالث: زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر رواته [55] .
وقال الحافظ العلائي:''وأما الشيخ تقي الدين بن الصلاح فإنه توسط بين أهل الحديث وأئمة الأصول ، وقسم الزيادة إلى ثلاثة أقسام'' [56]
وقال الإمام ابن الملقن: ''أحدها زيادة تخالف الثقات فترد -كما سبق في نوع الشاذ-. ثانيها: ما لا مخالفة فيه كتفرد ثقة بجملة حديث فتقبل، وقد ادعى الخطيب فيه اتفاق العلماء وقد سبق مثاله في نوع الشاذ. ثالثها: زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر رواته'' [57] .
وقال الحافظ ابن حجر: ''قوله -يعني ابن الصلاح- وقد رأيت تقسيم الزيادات إلى ثلاثة أقسام'' [58] .
وقال الحافظ السخاوي: ''وقد قسمه أي ما ينفرد به الثقة من الزيادة'' [59] .
ومع ذلك فإننا نلحظ في سياق كلام الإمام النووي وابن الملقن ما يكون نصا صريحا على أن الحديث الفرد هو نموذج القسم الثاني، وإذا تقرر أن هذا التقسيم شامل لجميع ما ينفرد به الثقة دون حده بالزيادة، فالذي يفصله عما ذكره في الشاذ والمنكر هو أن التقسيم هنا مقيد بما ينفرد به الثقة، وأما هناك فيشمل الثقة والضعيف غير المتروك. وبالتالي فكل ما جاء هنا ينطبق على نوعي الشاذ والمنكر مما يتصل برواية الثقات. ولهذا قال ابن الصلاح: ''فهذا حكمه الرد كما سبق في نوع الشاذ''.
والنقطة الثانية: ماذا يعني ابن الصلاح بالمنافاة ؟ وهل هي قيد زائد على المخالفة التي أطلقها في نوعي الشاذ والمنكر؟ أو هي المنافاة نفسها التي ذكرها هنا؟ وما مصدر ابن الصلاح في إضافة هذا القيد إذا كان بينهما فرق؟
ففي ضوء ما بينه ابن الصلاح في مبحث زيادة الثقة فالحديث المخالف لا يردُّ إلا إذا كان منافيا لما رواه سائر الناس. وبهذا أصبحت المنافاة مقياسا هنا لرد الحديث المخالف لما رواه الناس، وهذا كما ترى فيه تضييق لما سبق في الشاذ الذي أطلق فيه المخالفة بقوله: ''إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه: فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط كان ما انفرد به شاذا مردودا'' دون أن يضيف فيه المنافاة. وبالتالي يكون رد الحديث المخالف متوقفا على مخالفته لمن هو أضبط وأحفظ وإن لم يكن منافيا لما رواه هذا الأضبط، وبين هذين المقياسين لرد الحديث المخالف فرق واضح، إلا إذا قلنا إن المخالفة المذكورة في نوعي الشاذ والمنكر ليست هي على إطلاقها، وإنما بمعنى المنافاة؛ بدليل قوله في نوع زيادة الثقة: ''فهذا حكمه الرد كما سبق في نوع الشاذ.'' حيث سوى ابن الصلاح بين هذا القسم الأول وبين ما وقع في الشاذ والمنكر في سبب رد الحديث.
وعلى ذلك فما معنى المنافاة عند ابن الصلاح؟ وما الفرق بين المخالفة والمنافاة؟ لنشير إلى الفرق بينهما عموما نورد هنا مثالين: ورد عن عبد الله بن عمر في الطلاق البدعي حديث اختلف الرواة فيه؛ فروى جماعة من الثقات ما يفيد أن ابن عمر طلق تطليقة فحسبت من طلاقها [60] ، في حين روى أبو الزبير بلفظ: طلق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض قال عبد الله: فردها عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرها شيئا [61] ، وأفاد هذا الحديث أن الطلاق لم يقع، وهو ينافي حديث الجماعة الذي يدل على وقوع الطلاق. وعلى هذا الأساس أعل النقاد حديث أبي الزبير. والجدير بالذكر أنه لم يكن تعليل هذا الحديث لمجرد مخالفة أبي الزبير غيره من الثقات، وإنما لدلالة القرائن على خطئه الذي كان سبب مخالفته للآخرين [62]
وأما مثال المخالفة دون المنافاة فحديث سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عن عبد الله بن مسعود أنه قال: (لأصلين لكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فصلى فلم يرفع يديه إلا مرة واحدة) [63] وهذا يخالف ما رواه ابن إدريس عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة قال قال عبد الله: (علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة فكبر ورفع يديه فلما ركع طبق يديه بين ركبتيه) [64] وبين الحديثين مخالفة دون منافاة؛ حيث قال سفيان في الحديث إنه لم يرفع يديه إلا مرة واحدة، بينما قال ابن إدريس في الحديث نفسه موضوع التطبيق [65] دون تطرقه لموضوع رفع اليدين، وتعد مثل هذه الحالة مخالفة في الحديث، ويكون من شأنها أن تقتضي الترجيح أو الجمع على أصول النقد عند المحدثين.
وإذا كانت المنافاة أخص من المخالفة كما لمسنا في هذين المثالين فإن اعتماد هذه المنافاة كميزان لرد الحديث المخالف لا يستبعد صدوره من ابن الصلاح لكونه منتميا إلى مدرستي الفقه والأصول. ولذا كان ذلك أساس هذا التقسيم الذي آثره ابن الصلاح في زيادة الثقة، قصد الخروج من تباين الآراء حولها؛ إذ جعل حكم القسم الأول منوطا بوجود المنافاة كشرط زائد على المخالفة بينما توقف عن بيان حكم القسم الثالث المتمثل في زيادات الثقات؛ نظرا لعدم وجود المنافاة فيها.
هذا وقد جاء عن الحافظ ابن حجر أقوال مختلفة في تفسير كلمة المنافاة؛ منها قوله:''وإما أن تكون (الزيادة) منافية بحيث يلزم من قبولها رد الرواية الأخرى فهذه هي التي يقع الترجيح بينها وبين معارضها'' [66] . ومنها قوله: ''إلا إن كانت الزيادة منافية بحيث يتعذر الجمع'' [67] . وبهذا فسر الحافظ ابن حجر المخالفة حيث قال:''وأما المخالفة وينشأ عنها الشذوذ والنكارة فإذا روى الضابط أو الصدوق شيئا فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددا بخلاف ما روى بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدثين فهذا شاذ'' [68] .
وإن كانت هذه الأقوال غير متفقة في ظاهرها لكنها في مجملها تكون أقرب إلى منهج المحدثين منها إلى منهج الفقهاء والأصوليين؛ لكونها تتجه نحو تحديد المخالفة التي تكون أساسا في الشاذ والمنكر بأنها ما يتعذر الجمع على قواعد المحدثين، دون أن تكون المخالفة على عمومها.
وبما أن المقصود بالمنافاة هو كل ما يتعذر الجمع على قواعد المحدثين فإن المنافاة لا تعد قيدا زائدا على المخالفة التي لا تكون على إطلاقها عند المحدثين النقاد. ولذا أصبح تفسير ابن حجر للمنافاة موافقا لمنهج المحدثين في النقد. هذا ولم يرد ذكر لفظ المنافاة كشرط لرد الحديث المخالف إلا في نص الإمام ابن الصلاح، وذلك لتوجهه الفقهي في معالجة بعض قضايا النقد عند المحدثين. (والله أعلم) وللأسف لم ينتبه إلى ذلك كثير من الباحثين حين قلدوا ابن الصلاح في مقدمته [69] .