فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 35

صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ، فهذا حالهم وهم بعد في الدنيا، فماذا يظن بهم عند انكشاف الغطاء، ومشاهدة المحبوب في العقبى).

السبيل إلى الجنة هو معرفة الله سبحانه:

-(الجنة لا مضايقة فيها ولا مزاحمة، ولا تنال إلا بمعرفة الله تعالى التي لا مزاحمة فيها في الدنيا أيضًا، فأهل الجنة بالضرورة برآء من الحسد في الدنيا والآخرة جميعًا، بل الحسد من صفات المبعدين عن سعة عليين إلى مضيق سجين، ولذلك وسم به الشيطان اللعين، وذكر من صفاته أنه حسد آدم عليه السلام على ما خص به من الاجتباء، ولما دعي إلى السجود استكبر وأبى، وتمرد وعصى، فقد عرفت أنه لا حسد إلا للتوارد على مقصود يضيق عن الوفاء بالكل، ولهذا لا ترى الناس يتحاسدون على النظر إلى زينة السماء، ويتحاسدون على رؤية البساتين التي هي جزء يسير من جملة الأرض، وكل الأرض لا وزن لها بالإضافة إلى السماء، ولكن السماء لسعة الأقطار وافية بجميع الأبصار فلم يكن فيها تزاحم ولا تحاسد أصلًا، فعليك إن كنت بصيرًا وعلى نفسك مشفقًا أن تطلب نعمة لا زحمة فيها ولذة لا كدر لها، ولا يوجد ذلك في الدنيا إلا في معرفة الله عز و جل، ومعرفة صفاته وأفعاله، وعجائب ملكوت السموات والأرض، ولا ينال ذلك في الآخرة إلا بهذه المعرفة أيضًا.

فإن كنت لا تشتاق إلى معرفة الله تعالى ولم تجد لذتها، وفتر عنها رأيك وضعفت فيها رغبتك، فأنت في ذلك معذور؛ إذ العنين لا يشتاق إلى لذة الوقاع، والصبي لا يشتاق إلى لذة الملك، فإن هذه لذات يختص بإدراكها الرجال دون الصبيان والمخنثين، فكذلك لذة المعرفة يختص بإدراكها الرجال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، ولا يشتاق إلى هذه اللذة غيرهم؛ لأنَّ الشوق بعد الذوق، ومن لم يذق لم يعرف، ومن لم يعرف لم يشتق، ومن لم يشتق لم يطلب، ومن لم يطلب لم يدرك، ومن لم يدرك بقي مع المحرومين في أسفل السافلين، ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا فهو له قرين).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت