ورمضان فرصة للتغيير .. لمن ابتلاه الله تعالى بقلب قاسٍ كالصخر الراسي، لا تدمع له عين أن ينتهز فرصة هذا الشهر الذي تكون للنفوس فيه صولة. . وللقلوب فيه جولة. . فيحرص على ترقيق قلبه، بصرفه عن الذنوب التي هي جالبة الخطوب، و حاجبة القلوب عن علام الغيوب. قال عليه الصلاة والسلام:"تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ"رواه مسلم [1] .
وما أحسن قول القائل:
رأيت الذنوب تميت القلوب ... وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها
ومن أراد السعادة فليلزم عتبة العبادة، وليجتنب الإساءة .. يقول أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه: (لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام الله عز وجل) [2] و يقول الحسن البصري رحمه الله: (إذا لم تقدر على قيام الليل، ولا صيام النهار، فاعلم أنك محروم، قد كبلتك الخطايا والذنوب) وليكن لك ما بين فينة وفينة زيارة للمقابر، وتتأمل في أحوال أصحابها .. فإن القوم فيها صرعى، والدود في عيونهم يرعى، عن الحديث سكتوا، وعن السلام صمتوا، الظالم بجانب المظلوم، والمنتصر بجانب المهزوم، ذهب الحسن والجمال، والجاه والمال، وبقيت الأعمال .. أموات يتجاورون، ولا يتزاورون.
سكتوا وفي أعماقهم أخبارُ ... وجافاهم الأصحاب والزوار
وتغيرت تلك الوجوه وأصبحت ... بعد الجمال على الجفون غبار
(1) ورقمه (144)
(2) الزهد لأحمد ص128