جود النبي صلى الله عليه وسلّم
لما كان الله عز وجل قد جبل نبيه صلى الله عليه وسلّم على أكمل الأخلاق وأشرفها، كما في حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق )) كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم أجود الناس كلهم، وكان جوده بجميع أنواع الجود، من بذل العلم والمال، وبذل نفسه لله تعالى في إظهار دينه وهداية عباده، وإيصال النفع إليهم بكل طريق؛ من إطعام جائعهم، ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمل أثقالهم 0
ولم يزل صلى الله عليه وسلّم على هذه الخصال الحميدة منذ نشأ، ولهذا قالت له خديجة في أول مبعثه: والله، لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق 0 ثم تزايدت هذه الخصال فيه بعد البعثة وتضاعفت أضعافًا كثيرة 0 وفي الصحيحين عن أنس، قال: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم أحسن الناس، وأشجع الناس، وأجود الناس ) )، وفي صحيح مسلم عنه قال: (( ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلّم على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، فجاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم، أسلموا؛ فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة ) )0
وكان جوده صلى الله عليه وسلّم كله لله عز وجل، وفي ابتغاء مرضاته، فإنه كان يبذل المال إما لفقير أو محتاج، أو ينفقه في سبيل الله، أو يتألف به على الإسلام من يقوى الإسلام بإسلامه 0
وكان صلى الله عليه وسلّم يؤثر على نفسه وأهله وأولاده، فيعطي عطاء يعجز عنه الملوك مثل كسرى وقيصر، ويعيش في نفسه عيشة الفقراء، فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار، وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع 0
وكان جوده صلى الله عليه وسلّم يتضاعف في شهر رمضان على غيره من الشهور، كما أن جود ربه يتضاعف فيه أيضًا، فإن الله جبله على ما يحبه من الأخلاق الكريمة، وكان على ذلك من قبل البعثة، ثم كان بعد الرسالة جوده في رمضان أضعاف ما كان قبل ذلك؛ فإنه كان يلتقي هو وجبريل عليه السلام، وهو أفضل الملائكة وأكرمهم، ويدارسه الكتاب الذي جاء به إليه، وهو أشرف الكتب وأفضلها، وهو يحث على الإحسان ومكارم الأخلاق 0
وقد كان هذا الكتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلّم خلقًا، بحيث يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه، ويسارع إلى ما حث عليه، ويمتنع مما زجر عنه؛ فلهذا كان يتضاعف جوده