ابن عامر الثُّماليّ -وكان من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:"إياكم وكثرة السؤال" [1] .
قال: وفي سماع أشهب سئل مالك عن قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"أنهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال"، فقال: أما كثرة السؤال فلا أدري أهو ما أنتم فيه مما أنهاكم عنه من كثرة المسائل، فقد كره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المسائل وعابها، وقال الله عز وجل: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101] ، فلا أدري أهو هذا أم السؤال في مسألة الناس في الاستعطاف؟.
واحتجّوا أيضًا بما رواه ابن شهاب، عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، أنه سمع أباه يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"أعظم المسلمين في المسلمين جُرمًا من سأل عن شيء لم يُحرّم على المسلمين، فحرّم عليهم من أجل مسألته" [2] .
وقد جاء ذمّ الرأي في كلام السلف رحمهم الله، فقد سئل الشعبيّ -وهو من كبار التابعين، وقد أدرك مائة وعشرين من الصحابة، وأخذ عن معظمهم- عن مسألة من النكاح، فقال للسائل: إن أخبرتك برأي، فبُلْ عليه. وعنه قال: ما جاءكم به هؤلاء من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فخذوه، وما كان من رأيهم فاطرحوه في الْحُشّ [3] . وعن عمرو ابن دينار، قال: قيل لجابر بن زيد: إنهم يكتبون ما يسمعون منك، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، يكتبونه وأنا أرجع عنه غدًا. وعن ابن عيينة قال: اجتهاد الرأي هو مشاورة أهل العلم، لا أن يقوله هو برأيه. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الناس أنه لا رأي لأحد مع سنة سنّها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وعن أبي نضرة قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول للحسن البصريّ: بلغني أنك تفتي برأيك، فلا تُفت برأيك إلا أن يكون
(1) إسناده حسن.
(2) حديث متّفقٌ عليه.
(3) أي الكنيف.