-كيف هي حاله .. يا دكتور ..؟
-حالته حرجة .. تعرض لأزمة قلبية ، لا ندري أسبابها بالضبط ..!
لو تعلمون أي هموم يحملها ، أي توحش وقسوة ، صادفها هذا القلب ، لعرفتم الأسباب .. ربما . هل يحتفظ القلب بأرشيف لهمومه وأوجاعه ؟ هل لديه ملف ، يحتوي على قضايا الغدر ، والقسوة .. والظلم ، التي مورست ضده ؟ ربما لو أعملتم المشرط فيه ، لانداحت عليكم الملفات والقضايا .. ربما .
لكنه لن يقبل .. حيث ستخرج جماهير الناس ، من الرجال ، والنساء ، والأطفال ، ممن اتخذوا قلبه ( خيمة ) أخيرة . لن يقبل أن تمزقوا أوتار الخيمة .. فتنكشف عن أناس ، اتخذوه ملاذًا أخيرًا .
لن يقبل .. لأن القلوب الكبيرة ، تختار أن تسكت ، دون ضجيج .. ولا تتوقف عن العطاء ، أو تقطع أوتارها ، فتبوح للناس ، عما فيها .. من وجع ، وقسوة .. وأناس اتخذوها ملاذًا .. خيمة أخيرة .
-هل سيطول بقاؤه على هذه الحالة ..؟
-لا ندري .. الله أعلم . سينقل إلى وحدة العناية المركزة .. للمتابعة ، على أمل أن يستعيد القلب نشاطه الطبيعي .
الساعة الثامنة الآن . أخبرتني الممرضة أنهم يجهزون له سريرًا ، في مركز الأمير سلطان لجراحة القلب . أرادت أن تشعرني أن وجودي ليس له معنى .. وأن علي أن أذهب:
-في الساعة العاشرة سيتم نقله إلى هناك .. حيث سيكون سريره جاهزًا . تستطيع أن تتصل لتطمئن عليه .
طلبت منها رقم اتصال ، فكتبته على منديل ورقي ، ونظرت أمامها .. حيث ثمة ورقة مثبتة على الجدار ، تحمل مجموعة من الأرقام .. فقالت:
-... وهذا رقم التحويلة ..
وسجلته إلى جانب رقم التلفون . أخذت منها المنديل ، ثم اقتربت منه .. قبلت جبينه ، وخرجت .
اليوم الجمعة .. الطرق خالية . هل استوحشته المدينة مثلي ، فَخَفَتَتْ فيها الحركة ، وَخَفَت بها نبض الحياة .. مثلما هو الفراغ ، الذي بدأت أشعر به ، مثل هوّة سحيقة ، تتشكل في وجداني ، تهوي في قعرها ، معاني الرغبة في الحياة ,