ومن الأمور المهمة التي تميز بها ذو الرمة في هذا الجانب وسجلها له النقاد القدماء، هو أنه فضلًا عن موهبته التي لا مراء فيها في قول الشعر، فقد كان في صناعته وتكلفه بشعره يميل إلى حسن التشبيه، إذ يعد هذا مقومًا أساسيًا في صناعته لشعره، أو هو القاعدة الأساسية التي يرتكز عليها شعره، وهي ظاهرة لاحظها عليه القدماء وسجلوها له، وأصبحت لديهم ميزة انفرد فيها بين شعراء عصره، ورأى فيها مجموعة منهم انها القمة التي وصلت إليها صناعة الشعر في العصر الأموي في مجال التشبيه بشكل خاص [1] .
ومن أبرز الآراء النقدية في هذا الجانب قول الأصمعي،:"... كان ذو الرمة أشعر الناس إذا شبه ..." [2] . ونلاحظ في هذه الإشارة أن الأصمعي لم يحدد عصرًا معينًا لما ذهب إليه، بل إنه أطلق كلامه بشكل عام دون تحديد إطار زمني لبراعة ذي الرمة في التشبيه، ومن المؤكد إن رأي الأصمعي هذا هو رأي تأثري لا أكثر لم يقم على أساس المقارنة أو الدراسة العلمية المستفيضة [3] .
ونجد بالمقابل رأيًا أكثر اتزانًا في هذا الجانب، إذ يشير ابن سلام إلى صناعة التشبيه عند ذي الرمة قائلًا"... كان لذي الرمة حظ في حسن التشبيه لم يكن لأحد من الإسلاميين" [4] . وهو بذلك يضع إطارًا تاريخيًا لبراعة ذي الرمة في هذا الإتجاه حين يحدد منزلته بين الإسلاميين.
وتأثر ابن قتيبة بهذه الآراء حين أشار إلى ان ذا الرمة"أحسن الناس تشبيهًا" [5] ، وقد استحسن في هذا الجانب قوله: [الطويل]
كبكر المقاناة البياض بخضرة ... غذاها نمير الماء غير محلل [6] .
(1) ينظر: ذو الرمة شاعر الحب والصحراء، د. يوسف خليف، 310.
(2) الأغاني، الأصفهاني، 16/ 109.
(3) للأصمعي مواقف عدة ضد أو مع شعراء آخرين اعتمدت مواقف شخصية كموقفه ضد الفرزدق حين قلل من شأنه استنادًا إلى هجاء الفرزدق لقبيلة الأصمعي بأهله، ينظر: فحولة الشعراء، 12.
(4) الأغاني، الأصفهاني، 16/ 109.
(5) الشعر والشعراء، ابن قتيبة، 29.
(6) المصدر نفسه، 356.