فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 54

وَقَدْ كَانَ آدم أبو البشر صلى الله عليه وسلم من أحلم الخلق، وأرجحهم عقلًا، وأثبتهم، وَمَعَ هذا؛ فلم يزل بِهِ عدوّ الله حتّى أوقعه فيما أوقعه فِيهِ، فَمَا الظنّ بفراشة الحلم، ومن عقله فِي جنب عقل أبيه كتفلة فِي بحر؟!

ولكنّ عدوّ الله لاَ يخلص إِلَى المؤمن إِلاَّ غِيلة، عَلَى غرة وغفلة، فيوقعه، ويظنّ أَنَّهُ لاَ يستقيل ربه -عَزَّ وَجَلَّ- بعدها، وأن تِلْكَ الوقعة قَدْ اجتاحته وأهلكته، وفضل الله- تَعَالَى، ورحمته، وعفوه، ومغفرته؛ وراء ذَلِكَ كلّه.

فَإِذَا أراد الله بعبده خيرًا؛ فتح لَهُ من أبواب التوبة، والنّدم، والانكسار، والذلّ، والافتقار، والاستعانة بِهِ، وصدق اللجإ إِلَيْهِ، ودوام التضرع والدّعاء والتقرّب إِلَيْهِ بِمَا أمكن من الحسنات مَا تكون تِلْكَ السيّئة بِهِ سبب رحمته.

فمن أراد الله بِهِ خيرًا؛ فتح لَهُ باب الذلّ والانكسار، ودوام اللجإ إِلَى الله تَعَالَى، والافتقار إِلَيْهِ، ورؤية عيوب نفسه وجهلها وعدوانها، ومشاهدة فضل ربّه، وإحسانه، ورحمته، وجوده، وبرّه، وغناه، وحمده.

فالعارف سائر إِلَى الله تَعَالَى بَيْنَ هذين الجناحين، لاَ يمكنه أَنْ يسير إِلاَّ بهما، فَمَتَى فاته واحد منهما؛ فَهُوَ كالطّير الَّذِي فَقَدْ أحد جناحيه.

قَالَ شيخ الإسلام: العارف يسيرإِلَى الله بَيْنَ مشاهدة المنّة، ومطالعة عيب النَّفْس.

وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم فِي الحديث الصحيح من حديث شدّاد وبريدة رضي الله تَعَالَى عنهما:

(سيّد الاستغفارِ أنْ يقولَ العبدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت