فالنِّعْمَةُ الَّتِي لاَ خَطَر لَهَا: الخروجُ مِنْهَا، والتَّخَلُّصُ مِن رِقِّها، فإِنَّها أَعظمُ حجابٍ بينَ العبدِ وبينَ اللهِ تعالى، وأَعرَفُ النَّاسِ بِهَا أَشدُّهُم إِزراءً عَلَيهَا، ومَقْتًا لَهَا.
ومَقْتُ النَّفسِ فِي ذاتِ اللهِ مِن صفاتِ الصِّدِّيقينَ، ويدنو العبدُ بِهِ مِن اللهِ تَعَالَى فِي لحظةٍ واحدةٍ أَضعافَ أَضعافِ مَا يَدنو بالعملِ.
ومِن فوائِدِ محاسبةِ النَّفْسِ: أَنَّهُ يعرِفُ بذلك حقَّ اللهِ تعالى، ومَن لَمْ يَعْرِفْ حقَّ اللهِ تَعَالَى عَلَيهِ؛ فإِنَّ عبادَتَهُ لاَ تكادُ تُجْدِي عليهِ، وهي قليلةُ المنفعَةِ جدًّا.
فمِنْ أَنْفَعِ مَا للقلبِ النَّظَرُ فِي حقِّ اللهِ عَلَى العبادِ؛ فإنَّ ذَلِكَ يورِثُهُ مَقْتَ نفسِه، والإزراءَ عَلَيْهَا، ويُخلِّصُه مِن العُجْبِ ورُؤيَةِ العملِ، ويفتَحُ لَهُ بابَ الخضوعِ والذُّلِّ والانكسارِ بينَ يدي ربِّهِ، واليأْسِ مِن نفسِهِ، وأَنَّ النَّجاةَ لاَ تحصُلُ لَهُ إِلاَّ بعفوِ اللهِ، ومغفرَتِهِ ورحمتِه، فإِنَّ مِن حقِّهِ أَنْ يُطاعَ وَلاَ يُعْصَى، وأَنْ يُذْكَرَ فلا يُنْسَى، وَأَنْ يُشْكَرَ فلا يُكْفَرَ.
فَمَنْ نَظَرَ فِي هَذَا الحقِّ الَّذِي لربِّهِ عَلِمَ علمَ اليقينِ أَنَّهُ غيرُ مؤدٍّ لَهُ كَمَا ينبغي، وأَنَّهُ لاَ يسعهُ إِلاَّ العفوُ والمغفرةُ، وأَنَّهُ إِنْ أُحيلَ عَلَى عملِهِ هَلَكَ.
فهذا محلُّ نظرِ أهلِ المعرفةِ باللهِ تَعَالَى وبنفوسِهم، وهذا الَّذِي أَيْأَسَهُم مِن أَنْفُسِهم، وعلَّق رجاءَهُم كلَّهُ بعفوِ اللهِ ورحمتِه.
وإِذا تأَمَّلْتَ حالَ أَكثرِ النَّاسِ؛ وَجَدْتَهُم بضدِّ ذَلِكَ، ينظُرونَ فِي حقِّهِم عَلَى اللهِ، وَلاَ ينظُرونَ فِي حَقِّ اللهِ عليهِم، ومِن هاهنا انْقَطَعوا عن اللهِ، وحُجِبَتْ قلوبُهُم عن معرفتِه ومحبَّتِه والشَّوقِ إِلَى لقائِهِ والتَّنَعُّمِ بِذِكْرِهِ، وهذا غايةُ جهلِ الإنسانِ بربِّهِ وبنفسِهِ.