وهكذا كانت أم المؤمنين مدرسة مميزة في نقد الروايات، المبني على قواعد متينة في فن معارضة الروايات الذي ازدهر في القرون المتأخرة، فحصل لها شرف الأولوية والإبداع، فكانت بذلك قدوة حية لكافة النساء عبر العصور، تبين أن الله تعالى قد أودع أيضًا في النساء من القدرات والملكات العلمية والاجتهادية ما إن وظفتها نبغت نبوغًا عاليًا، وقدمت ما لا يستطيعه كثير من الرجال ... وفعلًا كانت النساء يرقبن علم عائشة وينهلن منه وينفعهن الله تعالى بفقهها وفتواها ونظرها الثاقب الواعي في النصوص الشرعية قرآنًا وسنة، فخلفت بتربيتها لكثير من النساء نخبة عالمة من تلميذاتها .. إذ سجلت لنا النصوص مساهمات بعضهن في تمحيص ونقد الروايات، وبيان دلالاتها الحقيقية .. ونورد هنا بعض النصوص ذات الدلالة البينة والضمنية:
ـ المثال الأول: في حديث فاطمة بنت قيس: (أن المطلقة ثلاثًا لا سكنى لها ولا نفقة) (35) ، قد أنكر على فاطمة هذه الرواية عمر وعائشة ... من الصحابة (36) ، لكن فاطمة كانت متمسكة بروايتها وتدافع عنها منتقدة من يرى أن المبتوتة لها السكنى وليس لها النفقة بقولها: (بيني وبينكم كتاب الله، قال الله تعالى:(فطلقوهن لعدتهن ... لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا) (الطلاق:1) ، قالت: فأي أمر يحدث بعد الثلاث (37) ؟ كما كانت تقول معارضة لمن يرى أن لها السكنى: فكيف تقولون لا نفقة لها إذا لم تكن حاملًا، فعلام تحبسونها (38) ؟
ـ المثال الثاني: (كن نساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة، فتقول: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء، تريد بذلك الطهر من الحيض، فلما بلغ ابنة زيد بن ثابت(39) ، أن نساء يدعون بالمصابيح من جوف الليل ينظرن إلى الطهر، قالت: ما كان النساء يصنعن هذا، وعابت عليهن) (40) .
وعليه نصل إلى أن المرأة المسلمة لم تكن بعيدة حتى عن مجال النقد، فإذا كانت سيدة المحدثات لها باع طويل في هذا الفن، فلا غرابة أن توجد من حذت حذوها رضي الله عنها إذا توفر لها من المؤهلات الذاتية والمكتسبة ما توفر لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
آمال قرداش بنت الحسين؛ من كتابها: