النبي صلى الله عليه وسلم، وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يخالف قول الله تبارك وتعالى.
ـ تصحيح الرواية بجبر النقص فيها وتأييدها بالآية: من ذلك نقدها لرواية أبي هريرة المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الطِّيرة في ثلاثة، في الدار والمرأة والفرس) (23) ، إذ لما بلغ ذلك عائشة طارت شقة منها في السماء وشقة منها في الأرض، وقالت: (والذي نزل القرآن على أبي القاسم ما هكذا كان يقول، ولكن كان نبي الله يقول: كان أهل الجاهلية يقولون: الطيرة في المرأة والدابة والدار) ، ثم قرأت عائشة قوله تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير) (الحديد:22) (24) .
فالسيدة عائشة وهي تنكر على أبي هريرة هذه الرواية، بينت أنه لم يحفظ هذا الحديث على وجهه، لأن ربما دخل والرسول صلى الله عليه وسلم يحدث بهذا الحديث فسمع آخره، ولم يسمع أوله، وهو أن أهل الجاهلية هم الذين كانوا يقولون ذلك، وأيدت نقدها لروايته بمخالفته الآية القرآنية، إذ المصائب مكتوبة قبل أن تخلق الأرض وما عليها. فأي مبلغ بلغته هذه العالمة الجليلة في جودة النقاش مع حضور الذهن وسعة الحفظ.
ثانيًا: معارضة الروايات بفعل النبي صلى الله عليه وسلم:
ونتيجة هذا المنهج تكون إما برد الرواية مطلقًا أو بتصحيحها بجبر النقص فيها.
ـ رد الرواية: في حديث أبي ذر وأبي هريرة وابن عباس في: (أن الصلاة يقطعها الحمار والمرأة والكلب) (25) . فقد أنكرته رضي الله عنها إنكارًا شديدًا فقالت: (شبهتمونا بالحمير والكلاب، والله لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة فتبدو لي الحاجة، فأكره أن أجلس فأوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم فانسل من عند رجليه) (26) ، فقلد ارتكزت عائشة في رد الرواية على فعل النبي صلى الله عليه وسلم .. فهل تكون صلاته صلى الله عليه وسلم وعائشة مضطجعة أمامه باطلة أم أن الرواية لمعنى آخر لا يفهم منه ما فهمه الصحابة؟
ـ تصحيح الرواية بجبر النقص: عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا ودمًا، خير له من أن يمتلئ شعرًا) (27) ، فلما بلغ عائشة هذا قالت: (لم يحفظ الحديث، إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا ودمًا خير له من أن يتملئ شعرًا هجيت به) (28) ، فقد صححت عائشة في هذه المسألة النقص الذي في الرواية، ولم تنقدها من حيث متنها بمخالفة آية أو حديث نبوي، و (ذلك ملحوظ، إذ لو كان امتلاء الجوف بالشعر كما في ظاهر رواية أبي هريرة، لما أقر النبي صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت