ولا تضحية بغير جرأة، ولذلك عد من الشهداء مَن قتل دون دمه، أو عرضه، أو ماله كما في الحديث: «مَن قتل دون ماله فهو شهيد» [1] لتبقى روح رفض الظلم ومقاومته حية في النفوس، فإن لم يرزق صاحبها الشهادة لم يفته أجرها - بإذن الله -.
ثم كيف تحمل اسم المجاهد بغير بذل الجهد؟! إذ إن الجهاز بذل أكبر الطاقة وأقصى الجهد، وغاية الوسع في نصرة الإسلام، ويمثل هذا المعنى حديث ابن ماجه: «خير معايش الناس لهم: رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، ويطير على متنِه، كلما سمع هَيْعَة أو فزعة طار عليه إليها، يبتغي الموت أو القتل مظانه ..» [2] .
وصورة أخرى للمجاهد الجاد في طلب الشهادة من غزوة خيبر؛ حيث قتل عامر بن الأكوع - خطأ - بارتداد سيفه على ركبته، فقال بعض الصحابة: (حبِط عمله) - لظنِّهم أنه قتل نفسه - فذهب أخوه سلمة بن الأكوع يسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إن له لأجرين - وجمع بين أصبعيه - إنه لجاهدٌ مجاهد، قلَّ عربي مشي بها مثله» [3] ، (قال ابن دريد: رجل جاهدٌ؛ أي: جادٌّ في أموره، وقال ابن التين: الجاهد مَن يرتكب المشقة) [4] ، وكانت شهادةً من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على نيلِه أجرَ القتل
(1) صحيح البخاري - كتاب المظالم - باب 33 - الحديث 480.
(2) صحيح سنن ابن ماجه للألباني - كتاب الفتن - باب 13 - الحديث 3212/ 3977 (صحيح) .
(3) صحيح البخاري - كتاب المغازي - باب 38 - الحديث 4196.
(4) فتح الباري 7/ 467، عند شرحه للحديث 4196.