وهنا يجيء السؤال الكبير:
ما الصنع العظيم الذي صنعه (محمّد بن عبدالوهّاب) ؟
الجوابُ عن هذا السؤال الكبير، يصوغه واقع التاريخ وحقائقه، ولست أنا من يصوغه.
واقع التاريخ، يقرر في صراحة ووضوح بيان أنه الرجل الذي أيقظ العملاق العربي المسلم من سُبات في جزيرة العرب دام دهرًا داهرًا، وأشعره وجوده الحي الفاعل، وأعاد إليه دينه الصحيح، ودولته العزيزة المؤمنة، ودفعه إلى الحياة الفاعلة ليعيد سيرة الصدر الأول عزائمَ وعظائمَ وفتوحًا ..
ويقرر غيرَ مُنازَع أنّه رجل التوحيد والوحدة، والثائر الأكبر الذي رفض التفرق في الدين رفضًا حاسمًا، فلم يكن من جنس من يأتون بالدعوات ليضيفوا إلى أرقام المذاهب والطرائق المِزَقِ رقمًا جديدًا، يزيد العدد ويكثّره، ولكنّه أوجب إلغاءَ هذه الأرقام، ودعا لتحقيق"الرقم الفرد"وحدَهُ: الرقم الذي لا يقبل التجزئة كالجوهر الفرد، ألا وهو (الإسلام) .
والإسلام، طريقة واحده، لا تتفرّع، ولا تتعدّد.
وقد جاءت البينات كفلق الصباح بأن هذا"الرقم الفرد"هو الذي استقام به أمر العرب، وكوّن الوحدة الكبرى، والدولة العظمى وقد انضوى تحت لوائها الخفّاق أهل الأرض من كل جنس مابين مشرقٍ للشمس ومغيب، متآخين في الله، متساوين في الحقوق، لا فضل فيها لأحد على أحد إلا بتقواه، متعاونين على بناء حضارة أخلاقيّة جديدة تجمع إلى مطالب المادة مُسْتَشْرَفات الروح.
فلمّا أُفِسد التّوحيد، وزالت الوحدة، ذهب التفرق في العقيدة بهذا المجد العظيم .. فجاء (محمّد بن عبد الوهّاب) داعيًا للعودة إلى الأصل الذي قام عليه ذلك المجد وعلا سمكه وعزّ وطال، وقد حقق ما أراده في جزيرة العرب، وأشاع اليقظة في العالم المسلم، وكان لدعوته في كلِّ صُقعٍ أثرٌ مشهود ..
فهذا هو الصنع العظيم، الذي صنعه الرجل العظيم.